ارحمْ عزيزَ قومٍ ذلّ

اعلام تيفي

حسين العياشي

لم يكن المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار لحظة سياسية بقدر ما كان مشهدًا دراميًا مكتملاً، اختلطت فيه الأرقام القياسية بالدموع السخية، وغابت عنه السياسة بمعناها الصلب، لتحضر العاطفة كعنوان عريض لمرحلة تُغلق أبوابها على عجل.

فحين يحصد المرشح “المعين” محمد الشوكي 1910 أصوات من أصل 1933، مقابل 23 ورقة بيضاء صُنّفت ملغاة، لا يكون السؤال عن قوة الإجماع، بل عن غياب الاختيار. وحين يتغيب 1067 مؤتمرًا ومؤتمِرة عن محطة يُفترض أنها مفصلية، يصبح الغياب أبلغ من الحضور.

النتيجة كانت محسومة قبل أن تُفتح الصناديق، والمرشح كان وحيدًا قبل أن تبدأ الرحلة، لذلك بدا التصويت أقرب إلى تمرين شكلي لتزكية قرار جاهز، تماما كتغيير رأس إدارة في شركة عملاقة، لا إلى لحظة ديمقراطية تُفرز قيادة تنافسية. إجماع بلا روح، وأرقام بلا معنى، في مؤتمر قُدّم باعتباره انتقالًا، لكنه بدا أقرب إلى مراسم وداع..

غير أن ما خطف الأضواء، وأزاح لحظة انتخاب رئيس حزب يقود الحكومة ويتهيأ لتصدر الانتخابات المقبلة للمرة الثانية، لم يكن فوز الشوكي، بل الدموع. دموع سالت بسخاء، وتصدرت المشهد، حتى تحوّل المؤتمر من لحظة سياسية إلى قاعة عزاء رمزي لمرحلة اسمها “حزب أخنوش”. رشيد الطالبي العلمي لم يستطع إكمال كلمته، وأخنوش نفسه خانته نبرة الصوت، في لحظة بدت انسانيا مؤثرة، لكنها سياسيًا مربكة.

فالدموع، مهما كانت صادقة، لا تُخفّض الأسعار التي اكتوت بها جيوب المغاربة منذ اليوم الأول لتولي أخنوش رئاسة الحكومة. لا تُعيد التوازن للقدرة الشرائية، ولا تخلق مليون منصب شغل وُعد بها المواطنون، ولا تُنزل معدل البطالة من أرقامه المقلقة.
دموع الوداع لا تُشكّل لجنة لتقصي الحقائق، ولن تُعيد المليارات التي تبخرت من المال العام، ولا تُحاسب الذين راكموا الثروات وتاجروا في الأزمات، وصاروا يُعرفون في المخيال الشعبي بأسماء لا تحتاج إلى تعريف..

الأكثر قسوة في المشهد هو انتقائية الحزن. لم نرَ هذا الانهيار العاطفي حين ابتلعت فيضانات آسفي أرواح مغاربة بسطاء، ولم نشاهد هذا البكاء العلني حين هزّ زلزال الحوز قرى بأكملها وترك آلاف الأسر في العراء. هناك، كان الصمت أفصح من الدموع. أما هنا، فقد كان يكفي أن يقول أخنوش «وداعًا» حتى ينهار مسؤولون كبار بالبكاء، كطفل يفارق أمه، لا كسياسي يفترض أنه اعتاد الفقدان وتحمّل المسؤولية.

أما الغياب الجماعي لأكثر من ألف مؤتمر، فهو بدوره لا يقل دلالة عن سيل الدموع. فإما أن هؤلاء اختاروا الغياب عن وعي، رفضًا للمشاركة في مسرحية انتخابية بمرشح «مُعيَّن» لا منافس له، وفضّلوا الانسحاب الصامت على أن يكونوا مجرد ديكور في نهاية حزينة، أو أن الحزب لم يعد قادرًا على توفير أبسط شروط التعبئة، بعدما انقطع شريان اللوجستيك الذي كان، في زمن أخنوش، يضمن امتلاء القاعات بالحافلات والوجبات والتنقلات من أقصى الشمال إلى أعماق «المغرب العميق».

في الحالتين، النتيجة واحدة: حزب يكتشف فجأة أن جزءًا كبيرًا من حماسه كان مشروطًا بالحافلة المكيّفة، لا بالفكرة السياسية. وأن التصفيق كان أسهل من النقاش، والحضور أسهل من الالتزام حين كانت الفاتورة مدفوعة سلفًا. لذلك، لم تكن الكراسي الفارغة مجرد تفصيل تنظيمي، بل شهادة قاسية على هشاشة تنظيم لم يُختبر يومًا خارج ظل راعٍ واحد.

هكذا انتهى المؤتمر الاستثنائي، أرقام كبيرة بلا منافسة، دموع غزيرة بلا أثر اجتماعي، وغياب صاخب يفضح ما حاولت الخطب إخفاءه.
لم يكن تتويجًا لقيادة جديدة بقدر ما كان إعلانًا غير مباشر عن نهاية مرحلة كاملة. مرحلة كان فيها الحزب يُدار بالوفرة، وحين جفّ المنبع، لم يبقَ سوى العاطفة. والعاطفة، مهما كانت صادقة، لا تصنع حزبًا، ولا تقود حكومة، ولا تُقنع ناخبًا أنه أمام مشروع سياسي، لا مجرد ذكرى جميلة تُذرف عليها الدموع ثم تُطوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى