ازدواجية تسعير المحروقات في المغرب: بين منطق السوق وشبهة “التطفيف”

بشرى عطوشي
تحليل _ عاد ملف أسعار المحروقات إلى الواجهة بقوة بعد الارتفاع الملحوظ الذي عرفته السوق العالمية للبترول خلال الأسابيع الأخيرة، وانعكاسه شبه الفوري على أثمنة الوقود في المغرب. غير أن الجدل لم يكن حول الزيادة في حد ذاتها، بقدر ما انصبّ على سؤال المعيار: لماذا تتفاعل الأسعار محليًا بسرعة مع الارتفاع العالمي، بينما يتأخر الانخفاض حين تتراجع الأسعار دوليًا؟
قبل عامين، حين هبطت أسعار النفط في الأسواق الدولية، برّرت شركات التوزيع والحكومة آنذاك عدم خفض الأسعار بكون المخزون المتوفر قد تم شراؤه بأسعار مرتفعة، وبالتالي فإن البيع بأثمنة أقل سيكبّدها خسائر. كان التفسير تقنيًا واقتصاديًا، وتقبله جزء من الرأي العام على مضض. لكن اليوم، ومع أول موجة صعود في السوق العالمية، عرفت الأسعار في محطات الوقود ارتفاعًا سريعًا، دون أن يُطرح السؤال ذاته: أليس المخزون الحالي قد تم اقتناؤه بسعر أقل قبل الزيادة؟ ولماذا لا يُستحضر منطق “المخزون” إلا عند الانخفاض دون الارتفاع؟
هذا التباين في الخطاب يعمّق شعورًا عامًا بانعدام العدالة السعرية، ويغذي خطابًا شعبويًا يعتبر أن المستهلك هو الحلقة الأضعف في معادلة محرّرة بالكامل منذ قرار تحرير أسعار المحروقات سنة 2015. فمع غياب سقف تنظيمي واضح وهوامش ربح مُعلنة بشفافية، يتحول منطق العرض والطلب إلى أداة تبرير غير متوازنة، تُستدعى حين تخدم مصالح الشركات وتُغيَّب حين تمسّ أرباحها.
اقتصاديًا، لا يمكن إنكار أن أسعار الوقود تخضع لعوامل معقدة: تقلبات الأسواق الدولية، تكاليف النقل والتخزين، الضرائب الثابتة التي تشكل نسبة مهمة من السعر النهائي، إضافة إلى هامش الربح. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مبدأ الربح، بل في غياب آلية واضحة تضمن التوازن بين حق الشركات في الربح وحق المواطن في الشفافية والعدالة.
تقرير مجلس المنافسة قبل سنوات أثار بدوره نقاشًا واسعًا حول مستوى الأرباح المحققة بعد التحرير، مما عزز المطالب بإرساء نظام تسقيف مرن أو آلية مراقبة دورية لهوامش الربح، خاصة في سياق اجتماعي يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.
اللافت أن كل زيادة في أسعار المحروقات لا تبقى محصورة في محطات الوقود، بل تمتد إلى أسعار النقل والمواد الغذائية والخدمات، لتصبح شرارة تضخم شامل. وفي ظل هذا الترابط، يصبح ملف المحروقات قضية اجتماعية بامتياز، لا مجرد مسألة تجارية.
الرهان اليوم ليس في العودة إلى دعم شامل يثقل كاهل الميزانية، بل في ترسيخ قواعد شفافة وواضحة: إعلان دوري لهوامش الربح، تبرير معلل لأي تأخر في خفض الأسعار، وتفعيل حقيقي لآليات المنافسة. فالسوق الحرة لا تعني غياب الضوابط، بل تعني تكافؤًا في المعلومات والفرص.
بين منطق الاقتصاد وأخلاق السوق، يبقى السؤال معلقًا: هل يُطبق مبدأ “المخزون” بمعيار واحد في كل الحالات، أم أنه يُستحضر انتقائيًا؟ الإجابة الصريحة هي المدخل الحقيقي لاستعادة الثقة بين المواطن والسوق، في ظرفية إقليمية ودولية دقيقة تتطلب أعلى درجات الشفافية والمسؤولية.










