الأمن المجتمعي من داخل المسجد .. أسرار نجاح التجربة الإسبانية في مواجهة التطرف

بشرى عطوشي
في السنوات الأخيرة، برزت المقاربة الإسبانية في تدبير الشأن الديني الإسلامي باعتبارها نموذجًا مغايرًا في التعاطي مع قضايا الاندماج ومحاربة التطرف، حيث اعتمدت السلطات الإسبانية، وعلى رأسها الأجهزة الأمنية، سياسة تقوم على القرب والتفهم بدل المقاربة الأمنية الصِرفة.
هذا التوجه، الذي تجلّى في تعاطف الشرطة الإسبانية مع مرتادي المساجد واحترامها لخصوصيتهم الدينية، أسهم في وضع لبنة أساسية نحو اندماج المسلمين داخل المجتمع الإسباني، وفتح آفاق جديدة لمعالجة إشكالية التطرف الديني من داخل الفضاء الإسلامي نفسه.
لقد أدركت الدولة الإسبانية أن المساجد ليست بؤرًا للتشدد كما يُروَّج في بعض الخطابات الشعبوية، بل هي فضاءات اجتماعية وثقافية وروحية، يمكن أن تتحول إلى رافعة للاندماج الإيجابي إذا ما أُحيطت بالثقة والدعم المؤسسي.
ومن هذا المنطلق، حرصت الشرطة الإسبانية على بناء جسور تواصل مع القائمين على المساجد والجمعيات الإسلامية، عبر زيارات ميدانية منتظمة، وحوارات مفتوحة، واحترام واضح لحرية العبادة، دون شيطنة أو استهداف جماعي.
هذا التعاطي الإنساني والمؤسساتي كان له أثر مباشر في طرد الفكر المتشدد من بعض الأوساط الهامشية داخل المساجد الإسبانية، فحين يشعر المصلّي بأن الدولة لا تنظر إليه باعتباره خطرًا محتملًا، بل مواطنًا أو مقيمًا كامل الحقوق، تتراجع قابلية استقطابه من قبل التيارات المتطرفة التي تعيش أساسًا على خطاب المظلومية والاضطهاد، وهكذا، تم تجفيف جزء مهم من التربة التي ينمو فيها الفكر المتشدد، ليس عبر القمع، بل عبر الثقة والانخراط المشترك.
من جهة أخرى، أثبتت هذه المقاربة نجاعتها في تشجيع مسؤولي الجمعيات الإسلامية على التعاون الطوعي مع السلطات، من أجل تنقية محيط المسلمين من سموم الفكر الإرهابي. فقد انتقل هؤلاء الفاعلون من موقع الدفاع والريبة إلى موقع الشراكة والمسؤولية، حيث باتوا يساهمون في التوعية بخطورة التطرف، ومراقبة الخطاب الديني داخل المساجد، والتبليغ عن أي انحرافات فكرية تهدد السلم المجتمعي، انطلاقًا من قناعة ذاتية وليس تحت ضغط أمني.
وتكشف التجربة الإسبانية أن محاربة التطرف لا يمكن أن تنجح عبر الحلول الأمنية وحدها، بل تتطلب سياسة عمومية شمولية تُشرك الفاعل الديني والمجتمعي، وتعترف بدور المسلمين أنفسهم في حماية مجتمعاتهم من العنف والتشدد. كما تؤكد أن الاندماج الحقيقي يمر عبر الاحترام المتبادل، والاعتراف بالهوية الدينية كجزء من التعدد الثقافي، لا كتهديد للنظام العام.
في المحصلة، يمكن القول إن تعاطف الشرطة الإسبانية مع مرتادي المساجد ليس مجرد سلوك ظرفي أو مبادرة معزولة، بل هو خيار استراتيجي في إدارة التنوع الديني، أثمر نتائج ملموسة على مستوى الاندماج ومحاربة التطرف. وهو نموذج يستحق الدراسة الأكاديمية والتأمل المقارن، خاصة في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بالتعايش الديني والأمن المجتمعي في أوروبا المعاصرة





