التحول الرقمي في الجماعات المغربية نحو إدارة محلية ذكية فعالة

فاطمة الزهراء أيت ناصر
يشكل التحول الرقمي في الإدارات العمومية، وبالخصوص في المجالس المحلية المغربية، أحد أبرز مشاريع الدولة الرامية إلى تحديث الإدارة العمومية وتعزيز الحوكمة المحلية، هذا المشروع لم يكن اختيارا عشوائيا، بل جاء استجابة للمتغيرات القانونية المؤطرة للمجالس المحلية، ورغبة في تحسين جودة الخدمات وتعزيز الشفافية والقرب من المواطن، إضافة إلى تفعيل آليات التدبير الفعال والمستدام.
وحسب دراسة أعدها بلال لمراوي طالب باحث في سلك الدكتورة في كلية العلوم القانونية والاقتصادية بتطوان جامعة عبد المالك السعدي والدكتورة غزلان مجاهد أستاذة بالتعليم العالي بنفس الكلية، رسخ الدستور المغربي لسنة 2011 مجموعة من المبادئ التي تشكل أساسا للتحول الرقمي، بما في ذلك الحق في الوصول إلى المعلومات والمساواة في تقديم الخدمات العمومية وتحقيق الشفافية والمساءلة.
كما أسهمت القوانين التنظيمية للمجالس المحلية، خصوصا القوانين رقم 113.14 و111.14 و112.14، في فتح المجال أمام استخدام الوسائل التكنولوجية في تدبير الشأن المحلي. إضافة إلى ذلك، وفر قانون الوصول إلى المعلومات رقم 31.13 وقوانين حماية البيانات الشخصية، مثل القانون رقم 09.08، إطارًا قانونيًا يدعم بناء ثقة المواطنين في الخدمات الرقمية.
على مستوى المؤسسات، أطلقت المملكة المغربية استراتيجيات طموحة لتعزيز الرقمنة، أبرزها استراتيجية “المغرب الرقمي 2020” وما تلاها ضمن رؤية شاملة لـ2030،كما أحدثت الوكالة المغربية للتنمية الرقمية (ADD) عدة برامج ومشاريع لدعم التحول الرقمي في المجالس المحلية، مثل بوابة “إدارتي” ومنصة “الشكايات”، إضافة إلى دور وزارة الداخلية والمديرية العامة للجماعات الترابية في إدماج الرقمنة في العمليات الإدارية وتعزيز التواصل بين المجالس والسلطات المركزية، كل هذه المبادرات ترمي إلى توفير بيئة رقمية متكاملة تضمن خدمات فعالة ورفع جودة التدبير المحلي.
رغم الأسس القانونية والمؤسسية المتينة، تواجه المجالس المحلية عدة صعوبات تحول دون الانتقال الكامل نحو إدارة ذكية أبرز هذه التحديات هو ضعف التنسيق بين المتدخلين، وتعدد المبادرات دون وجود رؤية موحدة، بالإضافة إلى محدودية الموارد المالية واعتماد أغلب المجالس على التمويل المركزي، كذلك، تعيق الثقافة الإدارية التقليدية تبني الرقمنة بشكل كامل، حيث لا تزال بعض المجالس تعتمد على الإجراءات الورقية وتقنيات قديمة.
وتمثل البنية التحتية الرقمية المحدودة وعدم توفر المعدات التقنية الحديثة أحد أبرز العقبات، خصوصًا في المجالس القروية والصغرى، كما أن نقص قواعد البيانات الموحدة وضعف صيانة المعدات يحد من فعالية الرقمنة ويؤثر على جودة الخدمات الرقمية المقدمة للمواطنين، بحسب تقرير الوكالة المغربية للتنمية الرقمية لسنة 2022، لا تتوفر سوى نسبة أقل من 45٪ من المجالس على تجهيزات معلوماتية محدثة، فيما لا تقدم سوى 20٪ منها خدمات رقمية متكاملة.
بالرغم من هذه التحديات، يبقى التحول الرقمي فرصة استراتيجية لتعزيز جودة الخدمات العمومية، وترشيد الموارد، وتحقيق الشفافية، وتعزيز جاذبية المجالس المحلية، إن الانتقال من رقمنة جزئية إلى نموذج إدارة ذكية يعتمد على التقنيات الحديثة والبيانات والنماذج التشاركية في اتخاذ القرار يتطلب استمرار الدعم القانوني والمؤسسي والمالي، وتبني ثقافة رقمية مؤسسية متقدمة داخل المجالس المحلية.





