التشردم النقابي

*حبيب كروم

لا يختلف اثنان على ان تقييم العمل النقابي ببلادنا لن تكون نتائجه سوى سلبية وسوداوية نظرا لضعف ادائه وفاعليته وانحرافه عن مساره في تحقيق اهداف الطبقة العاملة التي تهضم حقوقها بمختلف المجالات والمستويات خاصة منها الحقوق المكتسبة على سبيل الذكر لا للحصر (التقاعد، التوظيف بالمباراة و التعاقد نمط الترقي، الاقتطاعات عن ايام الاضرابات، التسريح الجماعي للعمال ،فقدان الشغل ارتفاع الاسعار والمستوى العالي للضريبة على الدخل وعلى القيمة المضافة، عدم احترام معايير الشغل).

ان التراجعات المستنتجة والمسجلة لها اسبابها ومبرراتها، كانت الانشقاقات النقابية احدى اهم العوامل المساهمة في اضعاف النقابات والعمل النقابي يليها غياب الديمقراطية الداخلية والبيروقراطية النقابية، اللتان تنتجان اجهزة نقابية ومسؤولين نقابيين يفتقدون للشرعية والكفاءة، خاصة في ظل غياب قانون النقابات الذي تعارضه مجموعة من القيادات النقابية التي تفضل ان يستمر الوضع على ما هو عليه.

ضعف اداء العمل النقابي تساهم فيه بقدر كبير الحكومة المغربية، بتدجين النقابات عبر الحوار الاجتماعي وبجعلها شريكة في المخططات اللاشعبية، لقد ساهمت في إفراغه من محتواه وإفقاده المصداقية والجدية، خاصة بالتراجع عن التزامها بتنفيذ الاتفاقيات التي تصادق عليها مع الفرقاء الاجتماعيين، في سابقة خطيرة بتاريخ العمل النقابي ببلادنا، بغرض الحد من قوة النقابة ومن دورها في بلورة السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة، فضلا عن اقرارها بالاقتطاعات من اجور المضربين وعدم احترام الحريات النقابية

ولكثيرا ما تسعى الادارة بمختلف المجالات الى اضعاف النقابات بنهجها اسلوب الاستمالة بالاستجابة وتنفيذ بعض المطالب النفعية (المشاركة في المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية كالبرلمان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والمجالس الجهوية والمجالس الادارية لبعض المؤسسات مثل الصندوق المغربي للتقاعد والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتعاضديات ومؤسسات الشؤون الاجتماعي …توظيفات ترقية تعويضات تنقيلات، مناصب المسؤولية تفرغات نقابية   ….) يكون طالبها مركزيات نقابية او مسؤول نقابي بغرض اسكاته وثنيه عن القيام بدوره في حماية حقوق المستخدمين والطبقة العاملة.

احيانا يتم التراجع حتى عن بعض الحقوق المكتسبة وأحيانا اخرى يتم تمرير قوانين مجحفة مضرة بحقوق الطبقة العاملة، دون أدني مقاومة اجتماعية او حركة احتجاج ماعدا استهلاك بعض البيانات او القيام بوقفات احتجاجية محتشمة ضعيفة جدا ونادرة، دون متابعة او تصعيد من اجل تحصين الحقوق او انتزاعها.

 

ان فقدان الثقة في العمل النقابي يؤثر سلبا على دوره وأهدافه، ويساهم في ضعف الاداء الاداري والمؤسساتي والخدماتي، كما يساهم في بروز مختلف مظاهر الفساد التي تكون لها انعكاسات سلبية على المواطنين، باستحالة تخليق الادارة وصعوبة تطبيق مقتضيات دستور المملكة مع تعطيل عجلات التنمية والتقدم.

ان مظاهر فقدان الثقة في العمل النقابي والعزوف عنه أضحت بارزة بتأسيس حركات مهنية تتبنى ملفات مطلبية فئوية (التقنيين الممرضين الدكاترة العلميين، المتصرفون الاساتذة)، مما يؤكد ان الملفات المطلبية لم تعد مؤمنة بين ايادي النقابات مما يترجم فقدان الثقة والفعالية في المؤسسات النقابية.

انطلاقا من منطق نقابة ضعيفة تنتج ادارة ضعيفة والعكس صحيح، وجب معه اعادة النظر في العمل النقابي، حفاظا على مكانته ودوره وعلى مكتسبات وحقوق الطبقة العاملة وضمانا للتنمية الاجتماعية بالرقي وتخليق الادارة وتنزيل الحقوق الدستورية على ارض الواقع انصافا للمواطنين.

ان التخليق و النهوض بالعمل النقابي بداية يستدعي اقرار الديمقراطية الداخلية و يوجب تأطيرا نقابيا للمسؤولين بالمكاتب النقابية و للمنخرطين مع الرفع من نسبة التنقيب التي لا تتجاوز 3 في المائة (تونس 18 في المائة و فرنسا 7,7  في المائة و السويد 70 في المائة)، وذلك بتسطير وتنفيذ مشاريع للتكوين النقابي من اجل المساهمة في الرفع من وعي العمال والعاملات، من  دون اغفال سلوك نكران الذات والعمل على ادماج الطاقات النقابية، دون تهميش أو اقصاء مع الرفع من ثقافة التضامن والوحدة النقابية، حول الملفات المطلبية الموضوعية والمشروعة.

 

* فاعل نقابي حقوقي وجمعوي

زر الذهاب إلى الأعلى