الحصيلة (34): برلمان “الوقت بدل الضائع”.. ضمير “الفاسي الفهري” يعمل بالمنبّه الانتخابي

حسين العياشي

في فاس، لا تُقاس السياسة فقط بعدد الأصوات ولا بعدد الأسئلة تحت القبة، بل أحياناً بعدد الأجيال. هنا، لا يصل الاسم إلى البرلمان عبر الحملات الانتخابية فقط، بل عبر التاريخ العائلي أيضاً. من علال الفاسي إلى عمر الفاسي الفهري، ثم اليوم عبد المجيد الفاسي، كأن المقعد النيابي في العاصمة العلمية يُورَّث مع مفاتيح البيت القديمة.

عبد المجيد الفاسي، وريث سياسي لسلالة لا تحتاج إلى تقديم، اختار أن يقدّم نفسه هذه الولاية بلغة الأرقام. 45 سؤالاً شفوياً، رقم يبدو محترماً في بلد اعتدنا فيه على نواب يتعاملون مع البرلمان كقاعة انتظار طويلة. لكن، وكما في كل الإحصائيات الجميلة، الشيطان يسكن التفاصيل: أغلب هذه الأسئلة طُرحت في السنة الأخيرة فقط، أي بعد سنوات من الصمت، كأن الضمير البرلماني استيقظ فجأة في “المائة متر الأخيرة”، حين بدأت ساعة الانتخابات تعدّ تنازلياً.

أما قبل ذلك، فكان الحضور أقرب إلى الشبح السياسي: موجود في اللوائح، غائب في النقاش. والعودة إلى الولاية التشريعية السابقة تزيد الصورة وضوحاً لا لبس فيه: 23 سؤالاً شفوياً فقط طيلة خمس سنوات كاملة. حصيلة تليق أكثر بنائب موسمي، لا باسم تاريخي يُفترض أنه يحمل “رسالة” لا مجرد بطاقة برلمانية.

عشر سنوات قضاها عبد المجيد الفاسي تحت القبة، كلّفت دافعي الضرائب ما يفوق 480 مليون سنتيم. رقم لا يدخل في خانة الرمزية، بل في خانة الحساب الصريح: مال عمومي مقابل أداء متقطّع، يستفيق حين تقترب صناديق الاقتراع، ثم يعود إلى وضعية السكون الطويل.

لكن القصة لا تتوقف عند فرد. هنا تكمن النكتة السوداء الكبرى. إذا أخرجنا الآلة الحاسبة، وجمعنا ما كلّفته “المسيرة السياسية” لعائلة الفاسي الفهري عبر العقود، في البرلمان، وفي المجالس، وفي مختلف مواقع القرار، قد نصل بسهولة إلى رقم يجعل ميزانية بعض الدول الصغيرة تشعر بالغيرة. نحن لا نتحدث عن نائب، بل عن “استثمار سياسي عائلي طويل الأمد”، بعائد مضمون، ومخاطر شبه منعدمة.

في فاس، يبدو أن بعض الأسماء لا تحتاج إلى برنامج انتخابي بقدر ما تحتاج إلى ذاكرة جماعية قصيرة. يكفي أن تحمل لقباً ثقيلاً، حتى يُفترض فيك تلقائياً أنك تؤدي الدور، حتى لو قالت الأرقام العكس. وحين تتراجع الحصيلة، يُعوَّض ذلك بدفعة أسئلة في آخر الموسم، تماماً كما يسرّع بعض الطلبة المراجعة ليلة الامتحان، على أمل إنقاذ المعدل.

المفارقة أن هذا النوع من الأداء لا يمرّ صدفة، بل يُعاد إنتاجه بثبات. ناخب يمنح الثقة بدافع العادة أو الاسم، ونائب يدير ولايته بمنطق “الحد الأدنى الكافي”، ومشهد سياسي لا يرى بأساً في أن تتحول بعض الدوائر إلى إقطاعيات انتخابية ناعمة، تتبدل فيها الوجوه داخل نفس العائلة، بينما يبقى الأسلوب واحداً: حضور رمزي، واستيقاظ متأخر، وحصيلة تُلمَّع في آخر لحظة.

عبد المجيد الفاسي ليس استثناءً، بل امتداد لسؤال أكبر: هل نحن أمام تمثيل سياسي، أم أمام استمرارية عائلية مغلّفة بخطاب ديمقراطي؟ وهل البرلمان فضاء للمساءلة اليومية، أم مجرد محطة عبور اسمية في مسار اجتماعي طويل؟

في هذه السلسلة، لا نطعن في التاريخ، ولا ننكر رمزية الأسماء. لكن السياسة لا تُدار بالألقاب، ولا تُقاس بالأشجار العائلية، بل بالفعل اليومي، بالمبادرة، وبالقدرة على أن تكون مزعجاً للسلطة لا مريحاً لها.

أما فاس، المدينة التي أنجبت الفكر والمعارضة والنقاش الحاد، فلا تستحق أن يُختزل تمثيلها في “حصيلة آخر الموسم”.

وغدَا.. اسم جديد، ومدينة جديدة، وربما عائلة أخرى، لأن السياسة عندنا، للأسف، ما زالت تُورَّث أحياناً أكثر مما تُحاسَب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى