الحصيلة (39): ادريس ساور المنصوري.. تمثيلية “الفحص-أنجرة” بين أسئلة محدودة وأولويات متروكة

حسين العياشي
إذا كان الصمت فضيلة في بعض المقامات، فإنه في البرلمان يتحول إلى ترفٍ مكلف، خصوصًا حين يدفع المواطن ثمنه من جيبه، وينتظر في المقابل نائبًا لا يتقن سوى فن الغياب المهذب. وفي دائرة الفحص–أنجرة، لا يبدو المشهد مختلفًا كثيرًا، بل يكاد يرسّخ قاعدة غير مكتوبة مفادها أن التمثيل البرلماني يمكن أن يُمارَس عن بُعد، وبأقل قدر ممكن من الإزعاج.
بعد التوقف عند النموذج الأول، يحين الدور اليوم على النائب الثاني عن الدائرة نفسها، إدريس ساور المنصوري، رئيس جماعة البحراويين، الذي اختار أن يمارس مهامه البرلمانية وفق إيقاع بطيء لا يزعج أحدًا، اثنا عشر (12) سؤالًا شفويًا فقط طوال الولاية التشريعية الحالية. أربعة أسئلة في السنة الماضية، وسؤالان يتيمان في 2024، وسنة 2023 بلا أي إزعاج يُذكر للحكومة وكأنها “عطلة” مدفوعة الأجر، قبلها ثلاثة أسئلة في 2022، وسؤالان فقط في 2021. حصيلة يمكن قراءتها بسهولة، كلفة تقارب 216 مليون سنتيم مقابل نشاط رقابي أقرب إلى “الهواية” منه إلى الواجب الدستوري.
الأكثر إثارة في هذه الأسئلة ليس قلتها فقط، بل موضوعاتها أيضًا؛ تركيز شبه دائم على النقل الدولي، وكأن هموم الدائرة اختُزلت في الشاحنات العابرة للحدود، بينما المدارس تُقاس بالمسافة لا بالجودة، والمرافق الصحية تُذكر في الخطابات أكثر مما تُرى على أرض الواقع. وسؤال مشروع يفرض نفسه هنا: هل النائب يمثل ساكنة الفحص–أنجرة أم يشتغل كمراسل موسمي لقطاع بعينه؟
لكن المفارقة الأكبر تظهر حين نربط بعض أسئلته بصعوبات البناء في العالم القروي، في الوقت الذي كانت فيه الجماعة التي يرأسها تعيش على وقع واحدة من أوسع عمليات الهدم بالإقليم. في ماي 2024، تحولت دوار عين زيتونة إلى معرض مفتوح للجرافات، حيث جرى هدم فيلات شُيدت فوق أراضٍ سلالية بطرق غير قانونية، في عملية أشرف عليها عامل الإقليم مباشرة، وبحضور مختلف السلطات المحلية والأمنية. مشهد لا يحتاج إلى تعليق بقدر ما يحتاج إلى تفسير: كيف يُطرح سؤال عن عراقيل البناء، بينما تُهدم فيلات بُنيت في واضحة النهار، وعلى مرأى من الجميع؟
المعطيات المتداولة حينها تحدثت عن تجزئة سرية، وبيع بقع أرضية لأفراد من داخل المغرب وخارجه، ورخص بناء وُصفت بغير القانونية، وتحقيقات للدرك الملكي، واحتمال صدور مذكرات بحث في حق متورطين. كل هذا جرى في المجال الترابي لجماعة يرأسها نائب برلماني، يفترض فيه أن يكون أول من يقرع ناقوس الخطر، لا أن يكتفي بمراقبة المشهد من المدرجات.
الأكثر سخرية أن بعض المتضررين احتجوا على الهدم بدعوى عدم تبليغهم، فيما تساءل آخرون عن سبب تطبيق القانون على فئة دون أخرى، في منطقة تعرف انتشار بنايات عشوائية فوق الملك العمومي البحري لم تطرقها الجرافات بعد. والسلطات ردّت بوضوح: العملية تحت إشراف النيابة العامة، والتحقيقات جارية. أما التمثيل السياسي، فبدا وكأنه في عطلة غير معلنة.
هكذا، يتكرس نموذج برلماني يجمع بين رئاسة جماعة قروية وحضور باهت تحت القبة، حيث تُدار القضايا الكبرى بصمت أنيق، وتُترك التفاصيل الثقيلة للسلطات الإدارية والقضائية. نائب يتقن فن الجلوس في المنطقة الرمادية؛ لا هو معارض يزعج، ولا هو مدافع شرس عن قضايا دائرته، بل مجرد رقم إضافي في لوحة التصويت.
وفي دائرة تحتاج إلى طرق، ومستشفى، ومدارس قريبة، ومراقبة حقيقية لمساطر التعمير واستغلال الأراضي السلالية، يصبح هذا النوع من التمثيل أقرب إلى نكتة سياسية باهظة الثمن. فحين يُختزل دور النائب في بضعة أسئلة موسمية، ويُترك الواقع يتدبر أمره بالجرافات ومحاضر الضابطة القضائية، يكون المواطن قد حصل فعليًا على كل شيء.. باستثناء من يمثله فعلًا.
ويبقى السؤال معلقًا، لا يحتاج إلى جواب بقدر ما يحتاج إلى فهم عميق: إلى متى سيظل البرلمان محطة عبور هادئة لبعض المنتخبين، بينما تتحول القرى والمدن إلى ساحات اختبار لنتائج هذا الصمت الطويل؟





