الحصيلة (18): من آلة الأسئلة إلى الصمت الانتقائي: كيف تحوَّل “محمد أشرورو” إلى تمثال في البرلمان؟

حسين العياشي
في أرشيف البرلمان المغربي، توجد أسماء لا تشيخ، لا تتقاعد، ولا تغادر المشهد مهما تبدلت الحكومات وتعاقبت الأغلبيات وتغيّرت الشعارات. أسماء تتقن فن البقاء أكثر مما تتقن فن التمثيل. من بينها، يبرز اسم محمد أشرورو، النائب البرلماني عن إقليم الخميسات، وأحد أقدم سكان قبة البرلمان، منذ سنة 2002 إلى اليوم، وكأن الكرسي البرلماني عُقِد له بعقد غير قابل للفسخ.
أكثر من عقدين داخل البرلمان، كلفت جيوب دافعي الضرائب ما يقارب 966 مليون سنتيم كأجور وتعويضات، مقابل مسار يعرف مفارقة صادمة؛ نائب كان في الولاية التشريعية السابقة “آلة أسئلة لا تتوقف”، بحصيلة بلغت 1321 سؤالًا شفويًا، قبل أن يتحول فجأة في الولاية الحالية إلى نموذج للصمت الانتقائي، مكتفيًا بـ 11 سؤالًا فقط. سقوط حرّ لا يفسره تغير المزاج، بل تغير الموقع؛ فحين كان الحزب في المعارضة كان الصوت عاليًا، وحين أصبح جزءًا من التحالف الحكومي خفت الصوت إلى حدّ الاختفاء.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس تقنيًا بل سياسي وأخلاقي: هل صَمَتَ أشرورو لأن حزب الأصالة والمعاصرة أصبح جزءًا من الحكومة؟ أم لأن الجمع بين صفة نائب برلماني ورئيس جماعة أولماس استنزف طاقته؟ أم لأن الصراخ من داخل الأغلبية يُعدّ نوعًا من قلة الأدب السياسي؟ ولنا في هذه الحالة أمثلة حية داخل القبة.. سنعود إليها في المناسبات القادمة.. نقطة إلى السطر.
المثير للسخرية هنا، كون الحكومة التي قرر أشرورو ألا يزعجها كثيرًا، لم تردّ عليه بدورها إلا على سؤالين اثنين فقط، وجّها كلاهما لوزيرة الإسكان فاطمة الزهراء المنصوري، القيادية في حزبه. أما الأسئلة الأخرى، الموجهة لوزراء التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، فقد اختارت الحكومة أن تضعها حيث توضع الأشياء غير المرغوب فيها: في بطن الأرشيف. لا جواب، لا توضيح، لا حتى مجاملة مؤسساتية. صمت من هنا.. وصمت من هناك. هذا حالنا مع هذه الولاية التاريخية.
لكن الحكاية لا تقف عند حدود البرلمان؛ فخارج الرباط، في جماعة أولماس، حيث يرأس أشرورو المجلس الجماعي، تبرز مفارقة أخرى لا تقل فداحة. جماعة قروية، تعاني من هشاشة البنية التحتية، ضعف المسالك، قلة فرص الشغل، وانتظارات اجتماعية متراكمة، تجد نفسها في قلب جدل حول صفقة عمومية بقيمة 2.4 مليار سنتيم، خُصصت لتطوير “المسارات والممرات الخضراء والإضاءة العامة” بمركز الجماعة.
2.4 مليار سنتيم!
في جماعة قروية!
من أجل ممرات خضراء؟
والأكثر إرباكًا أن الصفقة رست على شركة يملكها برلماني من نفس الحزب، حزب الأصالة والمعاصرة، فيما يشغل شقيق هذا البرلماني، حسب المصادر، منصبًا مهمًا داخل وزارة الفلاحة التي تدبر مليارات القطاع. قانونيًا “قد” تمر الصفقة، شكليًا “قد” تكون سليمة، لكن سياسيًا وأخلاقيًا؟ الأسئلة أكبر من الأجوبة، والشك أكبر من التبرير.
هنا، لا يعود السؤال عن أشرورو وحده، بل عن نموذج كامل من الممارسة السياسية؛
نائب يعمّر في البرلمان منذ 2002؛
يخفض صوته حين يدخل حزبه الحكومة؛
يرأس جماعة قروية تُبرم صفقات ضخمة خارج سلم الأولويات؛
ويواصل في كل محطة انتخابية تجديد العقد مع الناخبين أنفسهم.
والأخطر؟ أن هذا النموذج لا يسقط من سقف البرلمان؛ وإنما يدخل من الباب الواسع، لأن هناك من يصوّت له باستمرار، ومن يقاطع الانتخابات وهو يظن أن الأمر لا يعنيه، ناسيًا أن الضرائب التي يدفعها هي نفسها التي تموّل هذا الصمت، وهذه الصفقات، وهذا البقاء الأبدي تحت القبة.
محمد أشرورو ليس حالة معزولة، بل مرآة. مرآة لنخبة سياسية تعرف كيف تبقى، أكثر مما تعرف كيف تُنجز. ومرآة لساكنة تجدّد الثقة، مرة بعد مرة، في نموذج أثبت أنه يتقن البقاء أكثر مما يتقن الترافع.
وفي هذه السلسلة، لسنا في مهمة إسقاط أشخاص، بل في مهمة طرح سؤال بسيط ومؤلم:
إلى متى سنواصل تمويل الصمت؟
وإلى متى سيظل الكرسي البرلماني مكافأة على طول العمر السياسي، لا على جودة التمثيل؟
يتبع..
وغدًا، ضيف جديد، وصمت آخر، من دائرة الخميسات، أو ربما سنحط الرحال في دائرة أخرى أكثر.. موعدنا على نفس التوقيت.





