الشباب بين اللوائح التقليدية والتحفيز المالي.. من سيكسب المعركة الانتخابية؟ (حوار)

أميمة حدري: صحافية متدربة
تتصاعد حدة النقاش السياسي مع اقتراب الانتخابات المقبلة، في وقت يشكل فيه استقطاب الشباب تحديا أساسيا أمام الأحزاب.
وأعادت احتجاجات حركة “جيل زد 212” التي شهدها العام الماضي، تركيز الانتباه على فئة الشبان الأكثر تذبذبا في المشاركة السياسية، وما بين حوافز مالية جديدة وتعديلات في القوانين الانتخابية، يسعى المشهد السياسي لإيجاد صيغة تجذب هذه الكتلة الناخبة الحيوية.
الواقع، يشير إلى فجوة واضحة بين الطموحات الشبابية والخطاب السياسي التقليدي، وبين العدد الكبير للشباب الذين بلغوا سن التصويت ومعدلات تسجيلهم المحدودة في اللوائح الانتخابية.
وبينما تحاول الأحزاب تقديم صورة عصرية تواكب تطلعات الجيل الجديد، يبقى السؤال قائما حول مدى قدرة هذه المبادرات على تحويل المشاركة الشبابية إلى واقع ملموس داخل البرلمان، أم أنها ستظل مجرد شعار انتخابي يعلن عنه دون تأثير فعلي.
وفي هذا الحوار يجيبنا المحلل السياسي رضوان جخا على مجموعة من الأسئلة التي تركز على التحديات الراهنة لاستقطاب الشباب في الانتخابات البرلمانية المقبلة، ومدى قدرة التحفيزات القانونية والمالية على تعزيز مشاركتهم الفعلية.
هل تكشف احتجاجات الشباب خارج الإطارات الحزبية عن فقدان ثقة عميق في الأحزاب كمؤسسات تمثيلية، أم أننا أمام تحول جذري في وعي جيل جديد يرى السياسة من خارج منطق الوساطة التقليدية؟
أعتقد بأن احتجاجات الشباب كانت نتيجة شبه غياب لمؤسسات الوساطة الحزبية، وعدم ثقة الشباب فيها، وذلك ما تؤكده نسب المشاركة السياسية الشبابية التي لا تتجاوز الإثنين بالمائة سواء تصويتا وحتى من حيث التمثيلية داخل المؤسسات المنتخبة بالرغم من تَحسّن مؤشرات المشاركة لكنها تبقى غير مُرضية لطموحات الشباب، ما أدى إلى ظهور مثل هذه الحركات الإحتجاجية، فالأحزاب السياسية في معظمها تشتغل وفق مقاربات موسمية من خلال ندوات وملتقيات في حين الدور المحوري التأطيري والتكويني الدائم كما ينص على ذلك الفصل من الدستور نجده بعيد المنال.
ما يستوجب على الأحزاب السياسية إعادة النظر في طريقة عملها، بداية بظهور قيادات شبابية ووجوه جديدة ،فكيف سنقنع الشباب بالإنخراط السياسي وهو منذ ولادته يرى نفس الوجوه السياسية تعمر لعشرات السنين ومنهم من وصل ثلاثة ولايات رئاسية لحزبه، ما يطرح تحدي التداول بإعتباره من أسس ومبادئ الديمواقراطية.
إلى أي مدى يمكن اعتبار التحفيزات المالية الممنوحة للمرشحين الشباب إصلاحا بنيويا يغير قواعد اللعبة الانتخابية، وليس مجرد إجراء ظرفي لتحسين صورة المشهد السياسي قبيل الاستحقاقات؟
هذه التحفيزات المالية والإجراءات المهمة تأتي في إطار العناية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس بفئة الشباب، فما تضمنه المجلس الوزاري يومه الأحد 19 أكتوبر من السنة الماضية، كان بمثابة قفزة نوعية لمشاركة سياسية شبابية وازنة وناجعة، على غرار الدعم المادي الذي سيصل لخمسة عشر مليونا سنتيما للشباب أقل من خمسة وثلاثين سنة، سواء كانت لدى الشباب تزكيات حزبية أو عبر لوائح مستقلة.
وهذا ما جعل مجموعة من القيادات السياسية قلقة إزاء ذلك، خوفا من كثرة اللوائح الإنتخابية المستقلة خلال الإنتخابات التشريعية المقبلة، ما يعنيه ذلك من حتمية ترشيح تلك الأحزاب السياسية لطاقات شبابية، لذلك قلت سالفا لابد من إحداث رجة داخل التنظيمات الحزبية ومنظماتها الموازية، أو سيؤدي نفس طريقة اشتغالها لبروز لوائح الشباب المستقلة بشكل كبير، وهذا الأمر ربما سينتج عنه تحديات وإشكالات خلال مراحل التشريع بالبرلمان، كفاعل مدني وشاب أتمنى أن تلتقط الأحزاب السياسية كل تلك الإشارات، من بين كذلك المستجدات المهمة التي أتى بها المجلس الوزاري هي تبسيط المساطر الإدارية لإحداث أحزاب سياسية جديدة.
كيف نفسر الفارق الكبير بين الوزن الديموغرافي للشباب ونسبة مشاركتهم المحدودة في التسجيل والتصويت، هل المشكلة في ضعف العرض السياسي، أم في أزمة ثقة أعمق في جدوى المؤسسات المنتخبة؟
من وجهة نظري ذلك راجع للعاملين معا، عوامل ذاتية مرتبطة بالشباب أنفسهم. فهناك نسب مشاركة ضعيفة حتى في المجال الجمعوي التي لا تتجاوز العشر بالمائة، وبالتالي فعلى الشباب كذلك أن يزعج المؤسسات الحزبية ومنظماتها الموازية من خلال المشاركة الجمعوية المدنية التي ستبرز قدرات وكفاءات الشباب، وعدم الإرتكاز فقط على مواقع التواصل الإجتماعي التي تبقى بالرغم من تأثيرها افتراضية، لذلك لا بد من تشجيع المشاركة السياسية والجمعوية الشبابية.
وهناك عوامل موضوعية مرتبطة أولا بتفكير الشباب في استكمال مساره الدراسي الجامعي وبعدها البحث عن فرص عمل، ثانيا الوضعية التدبيرية الحالية لمختلف الأحزاب السياسية التي لا تتذكر الشباب إلا مع قرب الإستحقاقات الإنتخابية أو إذا هناك غضب شبابي كما وقع خلال الأشهر الماضية، وبالتالي فمع نفس الوجوه السياسية التي عمرت طويلا ومع التعامل مع الشباب كمؤشر كمي وكتلة إنتخابية للتصويت سيجعل هذا النفور الشبابي للسياسة يزداد ويستفحل ، وسيكرس للهوة الشاسعة بين الشباب والمؤسسات الحزبية.
ثالثا ضعف التأثير الحزبي على الشباب وهو أمر مقلق لمؤسسات الوساطة كالأحزاب والنقابات التي يجب أن تلعب دورها الرئيسي. فمختلف استطلاعات الرأي ترسّخ لنتيجة واحدة ووحيدة هي استمرار نفور الشباب من العمل السياسي، في مقابل ذلك ثقة الشباب فقط في المؤسسة الملكية بنسبة مرتفعة جدا باعتبار جلالة الملك حفظه الله دائم التفاعل مع الشباب وتطلعاتهم سواء من خلال الأوراش الملكية الإستراتيجية لقائد الدولة الأمة وكذا عبر العديد من الإجراءات المشجعة للشباب على غرار قرارات المجلس الوزاري التاريخي بالنسبة للشباب في أكتوبر من السنة الماضية.
في ظل ربط رئاسة الحكومة بالحزب المتصدر للانتخابات، هل تدفع الحسابات الانتخابية الأحزاب إلى تقديم مرشحين “قادرين على الفوز” بدل المغامرة بوجوه شابة، ما يجعل تمكين الشباب شعارا أكثر منه ممارسة فعلية؟
أعتقد بأن معظم الأحزاب السياسية لم تلتقط بعد رسائل تشجيع الشباب، فبعد التواصل السياسي المكثف خلال مرحلة احتجاجات الشباب، ربما كما يقول المثل عادت حليمة لعادتها القديمة. فعوض اقتراح طاقات وكفاءات شبابية لا حديث اليوم إلا انتقالات بين هذا الحزب وذاك وكأننا في ميركاتو كروي، ما يهم الأحزاب السياسية بالدرجة الأولى هو البحث عن من سيفوز بالمقعد البرلماني.
لذلك أعتقد بأن الوضع سيبقى كما هو مع بعض التحسن خصوصا بخصوص التمثيلية النسوية والشابات مع كوطا الجهات، وبالتالي ربما مشاركة الشباب سياسيا بشكل جلي ستكون خلال أكثر التصويت مقابل تمثيلية ضعيفة داخل قبة البرلمان مع الصراع المُحتدم للفوز برئاسة الحكومة.
ختاما، الأحزاب السياسية مطالبة بإحداث تغييرات هيكلية في طريقة اشتغالها. فجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ما فتئ يؤكد على أهمية جعل الشباب في صلب النموذج التنموي الجديد، لذلك أعتقد بأن المقاربات التقليدية التي تعتمدها جل المؤسسات الحزبية لن تجدِي في إقناع شباب اليوم، شباب الأنترنت وعالم السرعة، أي حزب يدعي إشراك الشباب والإنصات لتفاعلاتهم معني بتأكيد ذلك ميدانيا من خلال نسب الترشيح، أما الشعارات السياسية والخطابات الجوفاء فلن تؤدي إلا لِمَزيد من الهوة والنفور من العمل السياسي بالنسبة للشباب.





