الكأس التي ضاعت خوفا من “قالوا”

أميمة حدري: صحافية متدربة 

دخل المنتخب الوطني المباراة النهائية، وهو يحمل على كتفيه أكثر من عبء المنافسة الرياضية، دخل وهو محاصر بسردية جاهزة سبقت صافرة البداية، سردية التشكيك في كل تفوق، وفي كل قرار تحكيمي، وفي كل فوز محتمل.

ولم تكن المباراة، في جزء كبير منها، صراعا على الكأس فقط، بل امتحانا للثقة والقدرة على حماية الشرعية الرياضية حين تستهدف بالاتهام المسبق.

ومنذ الأيام الأولى للبطولة، راج خطاب يلمح ولا يصرح، يشكك ولا يثبت، يختزل كل نجاح مغربي في “قالوا”، ويحول التنظيم والتحكيم إلى تهمة معلقة تنتظر لحظة الانفجار.

هذا المناخ لم يتشكل صدفة، بل كان حاضرا في التصريحات، وفي الإيحاءات، وفي بناء رواية بديلة لأي نتيجة لا تخدم الطرف الآخر. وعندما وصلت المباراة إلى لحظتها الحاسمة، لم يعد النقاش تقنيا ولا رياضيا، بل نفسيا وإعلاميا بامتياز.

قرار الحكم في اللحظة الأخيرة، أيا كان تقييمه لدى المتابعين، كان قرارا صادرا عن سلطة قانونية داخل الملعب، والقاعدة واضحة: الحكم يطاع ما لم تفعل المساطر القانونية بعد المباراة.

وما وقع بعدها أخرج اللقاء من سياقه الطبيعي، وحول القانون إلى طرف ضعيف في معادلة ضغط وفوضى وتأويلات. وفي تلك اللحظة، لم يكن المطلوب من المنتخب الوطني تبرير القرار، ولا لعب دور الوسيط، ولا امتصاص غضب الآخر، بل التمسك الهادئ بحق يقره القانون.

غير أن ما طغى هو الخوف من الصورة، من العنوان العريض، من الاتهام الجاهز: “فازوا بالتحكيم”. هذا الخوف شل رد الفعل، وأربك التركيز، ودفع إلى اختيارات بدت مترددة، بلا حزم ولا قناعة. وبدلا من حماية المسار القانوني للمباراة، جرى التعامل مع الإشاعة كحقيقة، ومع الضغط كحكم، ومع الرأي العام كسلطة أعلى من النصوص.

هكذا، تحولت اللحظة التي كان يمكن أن تحسم فيها المباراة رياضيا إلى لحظة ارتباك ذهني، ضاعت فيها الأفضلية، وتسلل الشك إلى النفوس. الكأس لم تفقد لأن المنافس كان أقوى بالضرورة، بل لأن الخوف من الكلام كان أقوى من الإيمان بالحق. وفي مباريات بهذا الحجم، لا يهزم الفريق فقط بالأهداف، بل يهزم حين يتنازل ذهنيا عن شرعيته، وحين يسمح لرواية خصمه أن تتحكم في قراراته.

وما حدث يطرح سؤالا أعمق من نتيجة النهائي، كيف تدار القوة حين تحاصر بالتشكيك؟ وكيف يحمى القانون الرياضي حين يستهدف بالابتزاز المعنوي؟ كرة القدم الإفريقية، في مثل هذه اللحظات، تكشف أن المعركة لا تلعب داخل المستطيل الأخضر وحده، بل في محيطه المليء بالضغط والتأويل. وحين يكافأ الصخب، ويربك الصمت، تضيع الكؤوس ليس لضعف في الأقدام، بل لتردد في المواقف.

تلك هي الكأس التي ضاعت خوفا من “قالوا”، لا لأنها مستحيلة المنال، بل لأن الدفاع عنها تطلب شجاعة أكبر من مجرد تسجيل هدف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى