شفقي لـ “إعلام تيفي” : بدون بنية تحتية رقمية وسيادة بيانات لا وظائف مستدامة في الذكاء الاصطناعي

أميمة حدري: صحافية متدربة 

في وقت يتسارع فيه التحول الرقمي عالميا، ويقدم الذكاء الاصطناعي بوصفه محركا جديدا للنمو الاقتصادي، يجد المغرب نفسه أمام رهان مزدوج، استثمار هذه التكنولوجيا الواعدة لتعزيز التنافسية، دون أن تتحول إلى عامل إضافي لتعميق أزمة البطالة. فبين وعود خلق فرص شغل جديدة، ومخاوف الأتمتة التي تقصي اليد العاملة تدريجيا، يطرح الذكاء الاصطناعي أسئلة حارقة حول مستقبل سوق الشغل، وطبيعة المهارات المطلوبة، ودور السياسات العمومية في توجيه هذا التحول بما يخدم التشغيل والاستقرار الاجتماعي.

وفي هذا السياق، أكد المامون شفقي الخبير في الذكاء الاصطناعي، أن هذا الأخير يمتلك قدرة فعلية على خلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، شريطة إدماجه ضمن رؤية اقتصادية واضحة. موضحا أن الوظائف المباشرة ترتبط أساسا بقطاع الذكاء الاصطناعي نفسه، وتشمل مجالات مثل هندسة البيانات، وتطوير النماذج، وهندسة البرمجيات، وتشغيل الأنظمة الذكية “MLOps”، إضافة إلى الأمن السيبراني المرتبط بالبيانات.

وبخصوص هدف الحكومة القاضي بخلق 50 ألف وظيفة في أفق 2030، أوضح الخبير أن هذا الرقم ورد رسميا ضمن الخطة الوطنية للذكاء الاصطناعي، إلى جانب هدف تكوين وتدريب 200 ألف خريج في مهارات مرتبطة بالمجال نفسه.

واعتبر أن الحكم على واقعية هذا الهدف لا يمكن أن يكون مطلقا، بل يظل رهينا بتوفر الشروط التي أعلنتها الخطة، وفي مقدمتها الاستثمار في البنية التحتية للبيانات والحوسبة، وتوسيع مسارات التكوين، وتحقيق إدماج فعلي للذكاء الاصطناعي داخل الإدارة والاقتصاد، إلى جانب إرساء إطار تنظيمي قيد الإعداد.

وأشار شفقي إلى وجود مؤشرات تنفيذية أولية في هذا الاتجاه، من بينها الحديث عن مشروع إحداث مركز بيانات يشتغل بالطاقة المتجددة بمدينة الداخلة، إضافة إلى الشراكة المعلنة مع شركة “Mistral AI”، المصنفة ضمن الفاعلين البارزين عالميا في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وفي ما يتعلق بالمهارات المطلوبة في سوق الشغل، شدد الخبير على أن الذكاء الاصطناعي لا يقوم فقط على الكفاءات التقنية الصرفة، بل يتطلب أيضا مهارات قادرة على تطبيق هذه التقنيات داخل سياقات قطاعية محددة. موضحا أن القيمة المضافة الحقيقية لا تنتج عن تطوير الخوارزميات في حد ذاتها، وإنما عن تكييف حلول الذكاء الاصطناعي مع الإشكالات العملية لكل قطاع، مع استيعاب الإطار التنظيمي والمهني الذي ستُستخدم فيه هذه الحلول.

ولخص شفقي هذه المهارات في أربع طبقات أساسية، تشمل أولا محو أمية البيانات، أي فهم طبيعة البيانات وجودتها وكيفية تحويلها إلى أدوات لاتخاذ القرار داخل المؤسسات. وتتمثل الطبقة الثانية في المهارات التقنية التطبيقية، مثل البرمجة، وتحليل البيانات، وقواعد البيانات، والتعلم الآلي، واستخدام خدمات الحوسبة السحابية.

أما الطبقة الثالثة، يضيف  مهندس المعلوميات، فتهم مهارات التشغيل والنشر، خاصة في مجالات “MLOps وDevOps”، باعتبار أن القيمة في سوق الشغل ترتبط غالبا بالقدرة على تحويل النماذج إلى منتجات قابلة للاشتغال والتحديث داخل بيئات إنتاج فعلية. فيما تشمل الطبقة الرابعة مجالات الحوكمة والأمن والأخلاقيات، خصوصا مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، ما يرفع الطلب على مهارات حماية البيانات والامتثال وتقييم المخاطر.

أما على مستوى السياسات العمومية، فأكد شفقي أن تحويل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى فرص تشغيل مستدامة يمر عبر بناء سلسلة قيمة متكاملة، تربط بين البنية التحتية الرقمية، وتنمية المهارات، ووجود طلب فعلي من السوق، وإطار تنظيمي يضمن الثقة والاستمرارية. موضحا أن التوجه نحو تعزيز مراكز البيانات السيادية، وتوسيع البنية التحتية للسحابة والألياف البصرية، وإطلاق برامج لتطوير الكفاءات، إلى جانب إعداد إطار قانوني منظم لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، يساهم في خلق بيئة مواتية لتحويل الاستثمار التكنولوجي إلى مشاريع منتجة ثم إلى مناصب شغل.

كما شدد الخبير ذاته في ختام تصريحه، على أن بناء منظومة متكاملة لدعم الابتكار، تشمل الشركات الناشئة، والشراكات بين الجامعة والمقاولة، وآليات التمويل والمواكبة، يظل شرطا أساسيا لجعل الذكاء الاصطناعي مصدرا دائما لفرص الشغل، وليس مجرد رهان ظرفي، في انسجام مع التوجه الرسمي الرامي إلى تموقع المغرب كقطب إقليمي في مجال الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى