المجلس الوطني لحقوق الإنسان: تجربة المغرب في تدبير الفيضانات نموذج للجاهزية الاستباقية

أميمة حدري: صحافية متدربة

اعتبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن تجربة المغرب في تدبير فيضانات شهري يناير وفبراير الجاري، قدمت نموذجا متقدما للجاهزية الاستباقية في مواجهة الكوارث الطبيعية، بعد تسجيل أضرار جسيمة شملت غمر أكثر من 110 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية، وتضرر المساكن والبنيات التحتية والممتلكات الخاصة للمواطنات والمواطنين.

تأمين النقل المجاني للساكنة

وأكد المجلس في توصياته، أن متابعته استندت إلى توصياته السابقة بشأن زلزال الأطلس “شتنبر 2023″، والتي ركزت على حماية حقوق الإنسان من خلال تنسيق المساعدة الإنسانية، تفعيل آليات الرصد والمراقبة والحماية، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار وفق المعايير الدولية، لا سيما إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث “2015-2030” المعتمد من مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث.

وأبرز المجلس سرعة تدخل السلطات المحلية والقوات العمومية، بما فيها القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والوقاية المدنية والقوات المساعدة، لإجلاء السكان من المناطق الأكثر تضررا، خصوصا في مدينة القصر الكبير، ضمن عملية استباقية شملت أكثر من 180 ألف مواطن ومواطنة في أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، مع تسجيل حالات وفيات فردية نتيجة سوء تقدير بعض المواطنين للمخاطر، وقدم المجلس تعازيه لأسر الضحايا.

وسجل المصدر ذاته تأمين النقل المجاني للساكنة، وتوفير مراكز صحية ومراكز إيواء مؤقتة، مع إعطاء أولوية للرعاية الصحية للنساء الحوامل والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة، رغم تسجيل بعض الحالات المحدودة للإيواء في فضاءات لا تتوافق بالكامل مع معايير السكن اللائق من حيث الخصوصية والولوج إلى الماء والتطهير والحماية من المخاطر.

كما شملت التدخلات تعليق الدراسة في الأقاليم والجماعات المتضررة، واللجوء إلى التعليم عن بعد، واستئناف الدراسة تدريجيا في المؤسسات غير المتضررة، مع اعتماد حلول مؤقتة ومبتكرة لضمان استمرارية التمدرس، ومعالجة تفاوت سرعة استعادة الدراسة في بعض المناطق القروية.

ولاحظ المجلس أن السلطات العمومية أطلقت حملات صحية ميدانية لضمان حماية الحق في الصحة، تضمنت إجلاء النساء الحوامل إلى مراكز تخضع للمراقبة الصحية، ومتابعة أوضاع المسنين والأشخاص في وضعية إعاقة، وتوفير العلاج للفئات المصابة بأمراض مزمنة، بما فيها المصابون بحاجة لتصفية الدم أو العلاج من السرطان، وتنظيم حملات طبية متنقلة متعددة الاختصاصات شملت الطب العام وطب النساء والتوليد وأمراض الغدد والسكري والقلب والشرايين والروماتيزم وطب الأمراض النفسية، إضافة إلى تقديم فحوصات بالصدى وأدوية مجانية.

كما وثق المجلس تعبئة السلطات لضمان توزيع عاجل للمواد الغذائية والمياه الصالحة للشرب على الأسر المتضررة، مع انخراط مؤسساتيين ومدنيين لمعالجة شكاوى المواطنين الذين لم يتوصلوا بالدعم الغذائي الكافي في المراحل الأولى. وسجل المجلس جهود التواصل متعدد الأطراف بانخراط المجتمع المدني المحلي والوطني في التوعية وتقديم الدعم، ونشر النشرات الإنذارية والنداءات عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، ما ساهم في نجاح عمليات الإجلاء بسرعة قياسية.

الاستراتيجية الوطنية المندمجة لتدبير الكوارث

وفي الوقت نفسه، رصد الهئية الدستورية تداول محتويات رقمية مضللة تضمنت فيديوهات وصورا قديمة أو مقتطعة من سياقات مختلفة، ورسائل إنذارية مضللة باستخدام الذكاء الاصطناعي، وفيديوهات مفبركة لانهيارات ومباني تجرفها السيول صادرة عن حسابات خارج المغرب.

وأشاد المجلس بالبرنامج الشامل للمساعدة والدعم لفائدة الأسر المتضررة، بما في ذلك إعلان الأقاليم الأربعة الأكثر تضررا مناطق منكوبة، وإقرار برامج إعادة الإسكان والتعويض عن فقدان الدخل وإعادة تأهيل المساكن والمحلات التجارية الصغيرة المتضررة، إلى جانب المساعدات العينية والموجهة للمزارعين ومربي الماشية، واستثمارات لإعادة تأهيل البنيات الأساسية الطرقية، وشبكات الصرف الزراعي، والخزانات، والأحواض المائية.

كما أخذ المجلس علما بالتقدم في إعداد “الاستراتيجية الوطنية المندمجة لتدبير الكوارث في أفق 2030″، التي تشمل تعزيز التنبؤ والإنذار المبكر، والتنسيق الترابي والجهوي، ومراجعة النصوص القانونية، وإحداث منصات لوجستية ونظام للتعويض المالي للمتضررين.

وأكد أن تدبير السلطات العمومية للفيضانات حقق تقدما ملموسا في اعتماد المعايير الدولية والمقاربة القائمة على حقوق الإنسان، وأن تجربة فيضانات منطقتي الغرب واللوكوس شكلت نموذجا لممارسات فضلى في التدخل الاستباقي، مؤسسا لنموذج مغربي للجاهزية الاستباقية.

وشدد على أن إعلان المناطق المتضررة مناطق منكوبة وفر الإطار القانوني الأمثل لمواجهة التداعيات، وإعداد خطط محلية وجهوية وإقليمية شاملة يدمج المقاربة الحقوقية ويحدد أدوار ومسؤوليات المتدخلين، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر المحلية وربطها مباشرة بالساكنة، وتشديد مراقبة قوانين التعمير لمنع البناء في المناطق المعرضة للفيضانات.

كما أكد المجلس ضرورة مراجعة استراتيجيات الحكومة لمواجهة التحولات المناخية، بما يشمل الجفاف والفيضانات والظواهر المرتبطة بتطرف الأمطار، وإدماج هذه الإشكالات ضمن مشاريع إعادة هندسة التراب بالساحل والجبل والواحات، مع الأخذ بعين الاعتبار الحالات الصعبة والمنازل المنهارة خارج النطاق الجغرافي للأقاليم المصنفة مناطق منكوبة، بما يضمن استعادة قابليتها للعيش وفق مقاربة تحمي الكرامة الإنسانية وتكرس العدالة المجالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى