المرأة والتدخين بالمغرب بين وهم التحرر وتواري مظاهر الانوثة

محمد شقير

خلال عقود خلت ، كان التدخين بالمغرب عادة ذكورية صرفة تجسدت بالخصوص في تدخين القنب الهندي ،أو ما تعود المغاربة على تسميته بالكيف، قبل أن يتم التحول إلى تدخين السجائر خلال بسط الحماية لسيطرتها بأنحاء المملكة . في حين كانت عادة تدخين النساء قبل الحماية ظاهرة محدودة ومستترة لتتطور خلال حوالي ستين عاما بعد الاستقلال إلى ظاهرة بدأت تترسخ في الفضاء العمومي.

1-تدخين النساء بالمغرب كظاهرة محدودة ومستترة

كان تدخين النساء في المغرب قبل فترة الحماية ظاهرة موجودة لكنها كانت محكومة بضوابط اجتماعية وطبقية صارمة، وتختلف جذرياً عن شكلها المعاصر. إذ لم تكن السجائر الورقية منتشرة، بل كان الاعتماد الأساسي على “الكيف” (القنب الهندي) أو “طابا” (التبغ الخام). فقد كانت بعض النساء، خاصة المتقدمات في السن أو في الأوساط الشعبية والريفية، يستعملن “السبسي” أو يمارسن “النفاخ” من خلال استنشاق مسحوق التبغ بوضعه بين الشفة واللثة أي ما أصبح يسمى الأن بالكالة .

بينما كان تدخين النساء في المدن العتيقة مثل فاس وتطوان (خاصة الشيشة أو السبسي الصغير) موجوداً داخل “الحريم” أو المجالس النسائية الخاصة في القصور والمنازل الكبرى. حيث كان يُنظر إليه كنوع من الترفيه المنزلي بعيداً عن أعين الرجال والجمهور، ولم يكن يحمل طابع “التمرد” بقدر ما كان “عادة اجتماعية” مغلقة. حيث كان التبغ يُقدم في بعض الأحيان في الجلسات النسائية الخاصة (الحضرة أو المجالس الصوفية النسائية) في سياق اجتماعي معين.

غير أنه كان من المستحيل والمرفوض تماماً أن تدخن المرأة في “الفضاء العام” أو أمام الرجال، إذ كان ذلك يعتبر خدشاً كبيراً للحياء ووقار المرأة المغربية آنذاك.فرغم وجود الفتاوى التي كانت تحرم التدخين للرجال والنساء على حد سواء، إلا أن نظرة المجتمع المغربي للمرأة المدخنة كانت أكثر قسوة، حيث كان يُربط التدخين العلني بـ “المرأة المتسيبة” أو الخارجة عن الجماعة. وبالتالي ، فالتدخين النسائي قبل الحماية كان ممارسة تقليدية مستترة مرتبطة إما بالنساء الكبيرات في السن في القرى أو بنساء الطبقات الغنية في خلواتهن، ولم يكن ظاهرة اجتماعية عامة كما هو الحال اليوم.

2-تدخين النسائي بالمغرب وتقليد نموذج التحرر الأوربي

تبدلت ملامح تدخين النساء في المغرب بشكل جذري خلال فترة الحماية (1912-1956)، حيث تحولت السيجارة من ممارسة تقليدية مستترة إلى “رمز للحداثة والتقليد الثقافي للغرب”. ولعل عدة عوامل ساهمت في هذه التحولات التي طرأت خلال تلك الحقبةوالتي كان من أبرزها :

أولا- دخول “السيجارة العصرية” (Cigarette) ، فمع وصول المعمرين الفرنسيين والإسبان، دخلت السجائر المصنعة والملفوفة والمجهزة بالفلاتر إلى الأسواق المغربية. بخلاف “السبسي” التقليدي، كانت السيجارة سهلة الحمل والاستخدام، مما شجع على انتشارها في الأوساط الحضرية.

ثانيا – محاكاة “النموذج الأوروبي”، حيث بدأت النساء في الأوساط المخزنية (الطبقات الراقية) والمدن الكبرى (كالدار البيضاء والرباط وطنجة التي كانت تخضع للنظام الدولي) بمحاكاة نمط عيش النساء الأوروبيات. إذ أصبح تدخين السيجارة لدى هؤلاء النسوة دليلاً على الرقي الطبقي والانفتاح على الثقافة الفرنسية “المتحضرة”. وهكذا بدأت تظهر بوادر تدخين النساء في فضاءات عامة أو شبه عامة (المقاهي العصرية في الأحياء الأوروبية، الصالونات الأدبية، والحفلات المختلطة)، مما كسر القاعدة القديمة التي كانت تحصر تدخين النساء في خلوات المنازل.

ثالثا- دور “شركة التبغ” (Régie des Tabacs)، حيث لعبت “الشركة الدولية للتبغ بالمغرب” (التي تأسست في فترة الحماية) دوراً كبيراً في الترويج للاستهلاك. ورغم أن الإعلانات لم تستهدف النساء المغربيات بشكل مباشر وصريح في البداية، إلا أن توفر السجائر في كل مكان وسهولة الحصول عليها جعلها في متناول النساء اللواتي يملكن القدرة المادية.

رابعا – التدخين كوسيلة “للتحرر” المبكر، فبالنسبة للنخبة النسائية القليلة التي بدأت تلجأ للتعليم العصري آنذاك، كانت السيجارة أحياناً تعبيراً رمزياً عن رفض القيود الاجتماعية القديمة والرغبة في التساوي مع الرجل في الحقوق والممارسات الشخصية. في المقابل، كانت بعض مكونات الحركة الوطنية تنظر أحياناً إلى انتشار العادات الغربية (بما فيها التدخين وشرب الخمر) كنوع من “الغزو الثقافي” الذي يهدد الهوية المغربية والإسلامية، مما خلق صراعاً بين تيار “التحديث” وتيار “المحافظة” على الأصالة داخل النخب الوطنية.

3-التدخين النسائي بالمغرب واكتساح الفضاء العمومي

انتقل تدخين النساء بالمغرب بعد الاستقلال من دائرة “التقليد الأرستقراطي” أو “المحاكاة الاستعمارية” إلى ظاهرة اجتماعية معقدة مرتبطة بالتحولات الهيكلية للمجتمع المغربي والتي تمثلت على الخصوص في المحطات التالية:

– تدخين المرأة كرمز للمثقفة في عقدي الستينات والسبعينات، إذ ارتبطت تدخين المرأة للسيجارة خلال هذه الحقبة بالمرأة المتعلمة، الطالبة الجامعية، والموظفة في الإدارات العمومية. فقد كان التدخين في هذه الفترة يحمل شحنة إيديولوجية ونسوية؛ حيث اعتُبرت السيجارة أداة لإثبات الوجود في الفضاء العام الذي كان حكراً على الرجال، ورمزاً للتحرر من “الوصاية” التقليدية. بينما بدأت شركات التبغ تركز على السجائر الرقيقة المنكهة أو السجائر الشقراء، مستهدفة الجانب الجمالي والأنثوي لجذب الشابات والفتيات المغربيات.

-انتشار تدخين المرأة في عقدي الثمانينات والتسعينات ، بحيث لم يعد التدخين حكراً على النخب النسائية بالمملكة . بل بدأت الظاهرة تتوسع لتشمل العاملات في المصانع والخدمات في المدن الكبرى (الدار البيضاء، طنجة، القنيطرة).

فقد أصبح تدخين السيجارة وسيلة لـ تفريغ الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة. في حين شهدت سنوات الـ 2000 وما بعدها انفجار موضة “الشيشة” في المقاهي، والتي اجتذبت فئات شابة من النساء، حيث نُظر إليها في البداية كنشاط اجتماعي ترفيهي أقل “وصماً” من السيجارة التقليدية.

فظاهرة انتشار تدخين الشيشة بين النساء المغربيات ظاهرة اجتماعية معقدة تداخلت فيها العوامل المحلية بالانفتاح على الثقافات المشرقية والخليجية. إذ لعبت السياحة الخليجية في مدن كبرى مثل مراكش والدار البيضاء دوراً في ازدهار “مقاهي الشيشة” التي صُممت في البداية لتلبية طلبات السياح الخليجيين والمشارقة ، قبل أن تتحول إلى أماكن تجذب النساء المغربيات الباحثات عن تجارب اجتماعية مشابهة لما يرونه في المجتمعات العربية الأخرى.

كما ساهمت السينما العربية (المصرية واللبنانية ) في كسر “التابو” حول تدخين النساء للشيشة، حيث قُدمت أحياناً كجزء من أسلوب حياة عصري أو مرفه، مما قلل من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بها في المغرب. فقد انتقل تدخين الشيشة لدى بعض المغربيات من سلوك منبوذ اجتماعياً إلى ظاهرة تُمارس في العلن ببعض الأوساط، حيث بات يُنظر إليها كرمز للتحرر الشخصي أو “الموضة”.

4-التدخين النسائي بالمغرب وتداعياته الاجتماعية

رغم مظاهر العصرنة التي طبعت المجتمع المغربي في عدة مناحي ،فقد ظل التدخين النسائي في المغرب يعيش نوعاً من “الانفصام الاجتماعي”: ففي المدن الكبرى: أصبح التدخين مقبولاً أو متجاوزاً عنه في المقاهي والأماكن العامة. بينما في الأوساط المحافظة: لا تزال المرأة المدخنة تتعرض لـ “الحجر الأخلاقي”، حيث يُربط التدخين غالباً بصورة نمطية تمس “تربية” المرأة أو سلوكها، مما يدفع الكثيرات لممارسة “تدخين الخفاء” والتستر بما في ذلك تدخين بعض النساء داخل المقاهي حيث يفضلن الانزواء في كراسي متوارية وغير مكشوفة أو الجلوس في الأجزاء العلوية لهذه المقاهي وتراساتها .

فبخلاف النساء الاوربيات اللواتي تعودن التدخين في الشارع العام ، فنادرا ما تتجاسر أغلب المدخنات بالمغرب على ممارسة عادتهن بالشارع . فعلى الرغم من اعتبار بعض المدخنات بأن التدخين هو نوع من المساواة مع الشباب الذكور ومنافسة وتقليد لما يفعلونه، أو ربما يمنحهن الشعور بالتمرد على القيم والعادات، أو القوة وإثبات الوجود وإبراز لشخصيتهن بتقليدهن الأعمى لبعض النساء المشهورات كشخصية فنية أو سياسية أو إجتماعية، فما زالت ظاهرة التدخين ظاهرة ذكورية بامتياز .

إذ كشف تقرير حديث صادر عن منظمة الصحة العالمية تحت عنوان “الاتجاهات العالمية في انتشار استخدام التبغ 2000–2024 والتوقعات 2025–2030” صادر في 6 أكتوبر 2025، استمرار الفجوة الواسعة بين الجنسين، حيث تبقى الظاهرة ذات طابع “ذكوري” واضح في المغرب، كما هو الحال في أغلب دول إقليم شرق المتوسط.

فقد بلغ معدل انتشار التدخين بين الرجال ما بين 18.5% و24% (أي نحو 3.34 ملايين مدخن)، مقابل 0.7% إلى 1.2% فقط بين النساء، أي ما يقارب 160 ألف مدخنة بالمملكة. وتعكس هذه الفجوة أن معدل التدخين لدى الرجال يفوق نظيره لدى النساء بأكثر من 26 مرة، وهو تفاوت يُعزى بالأساس إلى العوامل الاجتماعية والثقافية التي ما تزال تؤطر السلوك الاستهلاكي في المجتمع المغربي. إذ أن نظرة الاستهجان وعدم التقبل التي ينظر بها إلى “المرأة المدخنة ” كيفما كان مستواها الاجتماعي أو التعليمي ما زالت مترسخة لدى فئات واسعة من المجتمع المغربي .

حيث ينظر إلى تدخين المرأة كخطر يهدد كثيراً من البيوت، نظرا للدور الذي تلعبه المرأة كأم ومربية للأجيال، وبالتالي فدورها في إصلاح المجتمع له أهمية كبرى، وفسادها وتحللها إفساد للمجتمع كله. وكيفما كانت طبيعة هذه النظرة المجتمعية المترسخة، إلا أن هناك مخاطر صحية عادة ما يلحقها التدخين بجسم المرأة .

فقد قارنت مجموعة من الدراسات العلمية و الطبية ، بين تدخين الرجل وتدخين المرأة ، حيث لوحظ أن النساء المدخنات معرضات بنسبة أعلى ب 25 ٪ للإصابة بنوبة قلبية من الرجال المدخنين. في حين أشارت دراسة نشرت مؤخرا في المجلة الطبية The Lancet ، الى أن النساء المدخنات معرضات لخطر أعلى للإصابة بأمراض القلب من الرجال المدخنين. وقد عزت هذه الدراسة التي قام بها فريق من علماء الأوبئة من جامعة مينيسوتا وجامعة جونز هوبكنز، هذه الحالة إلى الاختلافات البيولوجية بين الرجال والنساء التي تؤثر على كيفية رد فعل أجسام النساء لأضرار دخان السجائر.

فالنساء تستنشق مواد مسرطنة مسببة للسرطان ومواد سامة أكثر من السجائر بالمقارنة مع الرجال. وبالتالي فمخاطر الاصابة بالنوبات القلبية تزيد بنسبة اثنين في المائة مقارنة مع الرجال الذين يدخنون لنفس العدد من السنوات. كما أن ما يسببه التدخين من انقباض الأوعية الدموية يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب وأمراض الأوعية الدموية الدماغية بالنسبة للنساء الحوامل، حيث يؤثر النيكوتين على نمو دماغ الجنين.

بل قد يؤدي التعرض لمستويات عالية من النيكوتين (60 ملجم عند البالغين و6 ملجم عند الأطفال الصغار) إلى خطر وفاة الأجنة. في حين أكدت دراسات طبية أخرى أن تدخين الشيشة من طرف النساء يؤثر سلباً على خصوبة المرأة ويزيد من مخاطر أمراض القلب ‏. دون إغفال أن التدخين عادة ما يؤثر على جمال المرأة ومظاهر أنوثتها التي عادة ما تحرص النساء على الاهتمام بهما وصرف الجهد والمال للحفاظ عليهما سواء من خلال الذهاب إلى صالونات الحلاقة أو الاستحمام اليومي واستعمال كل الزيوت الطبيعية وغير الطبيعية .

في حين أن تدخين النساء للسجائر أو الشيشة أو حتى للسجائر الالكترونية عادة ما يؤدي إلى تدهور ملحوظ في جمال المرأة عبر تعجيل الشيخوخة، وظهور التجاعيد المبكرة، خاصة حول الفم والعينين وشحوب البشرة، واصفرار الأسنان و تسوسها، ورائحة الفم الكريهة ، و تلون الأظافر، وتقصف الشعر.

كما يقلل التدخين من نضارة البشرة ومرونتها بسبب تدمير الكولاجين ونقص الأكسجين، ويغير نبرة الصوت لتصبح بحة صوت المرأة الانثوي والناعم خشنة بسبب التهاب الحنجرة المزمن. وبالتالي ، فالتدخين بخلاف ما تروجه إعلانات شركات التبغ من “تحرر وهمي” هو في عمقه تهديد لجمال المرأة وصحتها ومحيطها الاسري. من هنا التساؤل حول تغاضي المنظمات النسائية بمختلف تلويناتها وأطيافها في إغفال برامجها للتأكيد على محاربة التدخين ليس فقط لانه يمس بحق المرأة في صحة جيدة وفي أسرة سليمة بل لأنه يشوه حقها في أن تحافظ على ما يميزها جنسيا وطبيعيا كامرأة وكأنثى.

فالنساء الحوامل المدخنات هن أكثر عرضة للإجهاض ولحدوث المضاعفات أثناء الحمل والولادة. بالإضافة الى ذلك، فتدخين المرأة أثناء الحمل يزيد من فرص ولادة أطفال مع عيوب خلقية، وانخفاض وزن المولود عن الوزن المتوسط ​​وأطفال أكثر عرضة للوفاة خلال الأسبوع الأول من الحياة، وكذلك حالات الموت المفاجئ في المهد. كما أن التدخين يزيد من خطر الإصابة بسرطان عنق الرحم.ويشكل أحد العوامل التي تزيد من خطر تساقط الأسنان في سن اليأس، وكذا خطر الاصابة بالكسور المرتبطة بهشاشة العظام.

ونظرا لكل هذه الاضرار التي تمس بحقوق أساسية للمرأة بالمغرب ، هل يمكن أن نأمل في تحرك من طرف الحركات النسائية والمنظمات النسوية الحزبية وكذا جمعيات حقوق الانسان وكل تلك الجمعيات التي تهتم بالمساواة والمناصفة وغيرها من المطالب والشعارات المرفوعة لمواجهة ومحاربة التمدد الاشهاري والاعلاني الذي تقوم به شركات التبغ لنشر التدخين بين الأوساط النسائية خاصة بين فئات المراهقات والتكتل من أجل ضبط تعاطي النساء للتدخين وذلك من خلال المطالبة بإصدار قوانين وإجراءات صارمة تحد من هذه الظاهرة الخطيرة وبالأخص ظاهرة تدخين القاصرات ؟؟؟

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى