
حسين العياشي
تظل سنة 2035 راسخة في الذاكرة الجمعية بوصفها سنة التحديات الكبرى. بحلول هذا العام، يجب أن يقدم النموذج التنموي الجديد (NMD) نتائجه. وتُعتبر خطة العمل التي وضعها شكيب بنموسى ركيزة أساسية لدفع المملكة على درب الإقلاع الاقتصادي، بهدف الانضمام إلى صفوف الاقتصاديات الناشئة، في وقت لا يخفي فيه المغرب طموحه في أن يصبح قوة إقليمية حقيقية.
في هذه الأثناء، يعوّل على استئناف النمو المنتظر بتوزيع أكثر عدلاً من خلال الانتقال إلى دولة الرفاهية. غير أن الطريق ما زال طويلاً ومحفوفاً بالصعاب، إذ يواجه المغرب تحديات عدة، مثل الجفاف، التفاوتات الإقليمية، وتدهور الخدمات العامة.
رحلة التحديات نحو الإقلاع
كيف سيبدو المغرب في غضون عشرة أعوام؟ الباحثة ياسمينة أصرارغيس، في تقريرها “المغرب 2035: من الإقلاع الاقتصادي إلى القوة المحورية؟”، تحاول تقديم لمحة عن قدرة المغرب على التحول إلى قوة محورية.
منذ بداية الألفية، شهد المغرب تحديثاً كبيراً من خلال استثمار ضخم في البنية التحتية وتطوير عدة قطاعات، أبرزها صناعة السيارات والطيران والقطاع العسكري. تمكنت البلاد من مضاعفة ناتجها المحلي الإجمالي ليصل إلى 140 مليار دولار. يعتمد النموذج التنموي الجديد على تحقيق نمو مستدام بنسبة 6%، وهو هدف قريب من التحقق هذا العام بتقدير يقدر بـ4.8%، مع تحسين جودة الخدمات العامة، خاصة في مجالي الصحة والتعليم. باختصار، يسعى المغرب إلى بناء دولة رفاهية تُحاكي الدول المتقدمة.
اليوم، لا يمكن إنكار الديناميكية الاقتصادية التي يشهدها البلد. تقدم المغرب بخطى ثابتة نحو التحديث، من خلال بنيات تحتية متطورة مثل ميناء طنجة المتوسط، وميناء الناظور غرب المتوسط، والقطار السريع، وشبكة طرق سريعة، ومحطات الطاقة الشمسية. كما أصبح المغرب لاعباً رئيسياً في سلسلة القيمة العالمية، ومركزاً جذباً للاستثمارات الدولية.
لكن، يبقى السؤال: هل ستؤدي هذه الإنجازات إلى تحقيق نمو مستدام وشامل؟ بحسب أصرارغيس، فإن التحدي المقبل لا يكمن فقط في النمو، بل في جودته، واستدامته، وقدرته على تعزيز التماسك الاجتماعي في بلد تزداد فيه التطلعات الاجتماعية مع الانفتاح الاقتصادي. وتشير إلى أن المغرب يواجه حالياً تصحيحاً للاختلالات الناتجة عن عقود من النمو السريع غير المتوازن، وذلك في إطار تحول اجتماعي مهم.
التحديات الداخلية: عدم التوازن والتفاوتات الإقليمية
في هذا السياق، يظل الطريق نحو 2035 متشابكاً بين الطموحات الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية. ففي حين أن المغرب يشهد نمواً سريعاً، إلا أن هذا النمو لا يشمل جميع المناطق. فالاختلالات بين الدار البيضاء-سطات وبقية البلاد، وبين المناطق الساحلية والداخلية، وبين المدن والأرياف، تظل شاهداً على عدم التوازن الناتج عن الحداثة المفرطة والعولمة الاقتصادية.
وترى أصرارغيس أن التحدي الاجتماعي في المغرب يتخذ بعداً إقليمياً أساسياً، حيث إن العديد من المناطق المهمشة لا تشعر بأنها جزء من هذا الإقلاع الموعود. ويبدو أن الطريق نحو 2035 سيكون مليئاً بالصراع بين الطموحات الاقتصادية والمتطلبات الاجتماعية لضمان العدالة والمساواة بين جميع المناطق.
تحولات ثلاثية مطلوبة
إن المغرب أمام ضرورة إجراء تحولات ثلاثية: جغرافية، صناعية، واجتماعية. الأولى تتعلق بإعادة ربط الأطراف بالمركز، والثانية بتعزيز القدرة التنافسية من خلال تحقيق السيادة الصناعية، والثالثة بالتأكيد على أن أي تحديث لا يمكن أن يستمر دون إعادة توزيع عادل للثروات. الهدف هو الوصول إلى توازن بين السرعة والعمق بحلول 2035.
هذا التحول يعد أولوية وطنية، حيث تم تخصيص صندوق خاص للتنمية الإقليمية في مشروع قانون المالية لعام 2026. الحكومة تعمل جاهدة لإعادة تأهيل المناطق التي لم تحصل على نصيبها من التنمية. وقد كان خطاب العرش الملكي حازماً في هذا الشأن، حيث أُكد على ضرورة أن لا يسير المغرب بسرعتين، بحيث تكون بعض المناطق فائقة الرفاهية والتحديث، بينما تفتقر أخرى إلى أبسط الخدمات العامة.
كأس العالم كدافع للإقلاع
من جهة أخرى، يرى المغرب في تنظيم كأس العالم 2026 فرصةً هامة للتسريع من وتيرة التحولات، فهي ليست مجرد مسابقة رياضية، بل يمكن أن تكون دافعاً اقتصادياً كبيراً. بحسب أصرارغيس، من المتوقع أن يستقطب الحدث أكثر من مليون ونصف مليون زائر، مما يعزز الإيرادات السياحية بنحو 2 إلى 3 مليار دولار. هذا سيساهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 0.5 إلى 1% خلال وبعد البطولة.
كما ستساهم كأس العالم في تسليط الضوء على مدن مثل مراكش، أكادير، طنجة، وفاس، وتعزيز صورة المغرب على الساحة الدولية. وتُعتبر عائدات حقوق البث والرعاية مصدر دخل كبير، مدعومة بحملة إعلامية واسعة على منصات رقمية وتلفزيونية. سيترجم هذا الزخم الاقتصادي إلى خلق ما بين 50,000 و80,000 فرصة عمل، سواء مؤقتة أو دائمة، في مجالات البناء والسياحة والخدمات.
وتختتم أصرارغيس تقريرها بتأكيد على أن تنظيم كأس العالم لن يكون مجرد مكسب مؤقت، بل سيسهم في بناء بنية تحتية جديدة وصورة قوية للمغرب على المستوى الدولي، مما يعزز الاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل.





