بايتاس يرتبك أمام امتحان الدعم الاجتماعي والعدالة المجتمعية

فاطمة الزهراء أيت ناصر
في الندوة الصحافية الأسبوعية ليومه الخميس 15 يناير 2026، لم يكن التردد الذي طبع جواب الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، بخصوص برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، مجرد زلة لسان أو ارتباك عابر في التواصل، بل بدا أقرب إلى مؤشر سياسي ودلالي على خلل أعمق في تعاطي الحكومة مع أحد أكبر أوراشها الاجتماعية.
سؤال صحافي بسيط حول تقييم هذا البرنامج كان كفيلا بكشف غياب رؤية واضحة حول مدى نجاعة السياسات الاجتماعية المنجزة، وقدرة الحكومة على تتبع أثرها الحقيقي في حياة المواطنين.
وحسب متابعون، لا يختلف اثنان حول مركزية ورش الدولة الاجتماعية في المشروع الإصلاحي الذي أطلقه جلالة الملك، ولا حول كون الحكومة الحالية اضطلعت بمهمة تنزيل هذا الورش عبر منظومة تشريعية وتنظيمية متكاملة.
غير أن الإشكال لا يكمن في الإطار العام ولا في الخطاب الرسمي، بل في التفاصيل الدقيقة للتنفيذ، وفي مدى واقعية آليات الاستهداف، وفي السؤال الجوهري المتعلق بالأثر الاجتماعي الفعلي لهذه السياسات.
ويرى مراقبون، لأن الحكومة تستند، في دفاعها عن البرنامج، إلى أرقام تقول إن نحو 3.9 مليون أسرة تستفيد من الدعم، موزعة بين أسر بها أطفال وأخرى دون أطفال، إضافة إلى ملايين الأطفال، ومئات الآلاف من الأرامل والمسنين.
كما تؤكد أن عدد الأرامل المستفيدات عرف ارتفاعا غير مسبوق مقارنة بالأنظمة السابقة، غير أن هذه المعطيات الرقمية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لإقناع الرأي العام بفعالية البرنامج، خاصة حين تصطدم بواقع ميداني مغاير.
ففي المقابل، تتزايد شكاوى أسر تعتبر نفسها معنية بالدعم، لكنها وضعت خارج دائرة الاستفادة بسبب ما يعرف بالمؤشر الاجتماعي، الذي تصفه فئات واسعة بأنه لا يعكس أوضاعها الحقيقية، أسر تعيش ضغط الغلاء، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، لكنها تصنف إداريا في خانة غير المستحقة، وكأن الهشاشة لا تقاس إلا بأرقام جامدة ومعايير تقنية معزولة عن السياق الاقتصادي والاجتماعي المتغير.
وحسب المراقبون، وضعية الأرامل تقدم مثالا صارخا على هذا التناقض بين الخطاب والواقع، فرغم التأكيد الحكومي المتكرر على توسيع قاعدة استفادتهن، إلا أن الواقع يكشف عن استمرار إقصاء عدد كبير منهن، إما بسبب تعقيد المساطر، أو لعدم تطابق أوضاعهن مع شروط تقنية لا تعكس هشاشتهن الحقيقية، أو نتيجة معطيات إدارية لا تترجم واقع الإعالة والمسؤولية اليومية التي يتحملنها. وهنا تتحول العدالة الاجتماعية من شعار مرفوع إلى وعد مؤجل.
ويرى المراقبون، أن الارتباك الذي طبع التواصل الحكومي بخصوص تقييم البرنامج ليس مسألة شكلية، بل يعكس غياب تقييم دوري وشفاف لسياسة عمومية تعد من بين الأضخم في تاريخ المغرب الاجتماعي، فمثل هذه البرامج لا يمكن اختزالها في بلاغات وأرقام، بل تتطلب تقييما مستقلا للأثر، ومراجعة مستمرة لمعايير الاستهداف، واستعدادا حقيقيا لتصحيح الاختلالات انطلاقا من شكاوى المواطنين ومعاناتهم اليومية، لا فقط من المؤشرات الرقمية.
ورغم الأهداف المعلنة لهذا النظام، فإن علامات استفهام حقيقية تطرح حول مدى قدرته على بلوغ الفئات الأشد هشاشة، إذ تفيد معطيات وتقارير ميدانية بأن عددا من الأسر حرمت من الدعم لمجرد توفرها على خط هاتفي أو حيازة مقتنيات بسيطة لا تعكس وضعها المعيشي الفعلي، في وقت تعيش فيه أوضاعاً اقتصادية صعبة.
كما تفاجأت أسر أخرى، كانت تستفيد من الدعم في مراحل سابقة، بتوقيفه عقب مراجعة المؤشر الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما يفتح الباب أمام التشكيك في دقة المعايير المعتمدة وموضوعيتها.
من جهة أخرى، تشير دراسات إلى أن الآليات الرقمية والخوارزميات المعتمدة في تحديد المستفيدين قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى إقصاء أسر مستحقة فعلا، ما يحد من نجاعة البرنامج ويضعف أثره الاجتماعي.
وتكشف هذه الإكراهات عن حاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لمنهجية احتساب المؤشر الاجتماعي والاقتصادي، بما يضمن استهدافا أكثر إنصافا وفعالية للفئات الأكثر احتياجا، ويجعل الدعم الاجتماعي أداة حقيقية للعدالة لا مجرد إجراء تقني.





