برميل النفط ينهار عالميًا.. وأسعار المحروقات في المغرب ترفض السقوط

حسين العياشي

سجّلت أسعار النفط الخام في الأسواق الدولية خلال الأيام الأخيرة تراجعًا لافتًا، بعدما هوى سعر خام برنت إلى ما دون 60 دولارًا للبرميل، وهو أدنى مستوى يُسجَّل منذ عدة أشهر. هذا المنحى التنازلي السريع أعاد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا جديدًا حول مدى استفادة الدول المستوردة، وفي مقدمتها المغرب، من تقلبات السوق الدولية، ومدى انعكاسها الفعلي على أسعار المحروقات داخليًا.

ورغم هذا الانخفاض الحاد في سعر البرميل، لم يلمس المستهلك المغربي سوى تراجع محتشم في أسعار البنزين والغازوال، لم يتجاوز في المتوسط 35 سنتيمًا للتر الواحد، ليستقر سعر الغازوال في حدود 10.6 دراهم، والبنزين عند حوالي 12.3 دراهم. وضعٌ فجّر تساؤلات واسعة حول آليات التسعير المعتمدة، وحدود تأثير السوق الدولية على الأسعار المحلية في ظل نظام التحرير.

في تصريحه لـ”إعلام تيفي”، أكد الحسين اليماني، الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للبترول والغاز ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، أن هذا الانخفاض القوي في الأسعار الدولية يرتبط بمعطيات جيوسياسية واقتصادية متشابكة، موضحًا أن تهاوي البرميل يعود أساسًا إلى الاحتمال المتزايد لوقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وما رافقه من تهدئة مخاوف الأسواق بشأن الخصاص المحتمل في الإمدادات، بعد تشديد العقوبات على النفط الروسي، إلى جانب تراجع المخاوف المرتبطة بقساوة فصل الشتاء والآثار السلبية لاستهداف منشآت التكرير والناقلات النفطية.

ويرى اليماني أن هذا التراجع كان يفترض أن يشكّل فرصة استراتيجية للمغرب من أجل تعزيز مخزوناته من النفط الخام والمكرر، بما يسمح بانعكاس إيجابي على أسعار المحروقات والمواد الطاقية، ويخفف الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين، وكلفة الإنتاج بالنسبة للمقاولات الصناعية وشركات النقل. غير أن هذه الفرصة، حسب تعبيره، مهددة بالضياع، كما ضاعت فرص سابقة، أبرزها فترة جائحة كورونا حين تراجع سعر البرميل إلى أقل من 20 دولارًا دون أن يستفيد المغرب من ذلك التحول الاستثنائي.

ويُرجع اليماني هذا الوضع إلى جملة من الاختلالات البنيوية، في مقدمتها حرمان المغرب من إمكانية تخزين النفط الخام، نتيجة ما يصفه بالتعطيل الممنهج لمصفاة المغرب، وتركها تواجه التهالك التدريجي في انتظار الإقفال النهائي، انسجامًا مع مصالح لوبيات تتحكم في سوق المحروقات وتغليب منطق العقار والإسمنت على حساب الأمن الطاقي. كما يشير إلى عجز السلطات المعنية عن إلزام الموزعين باحترام المخزون القانوني المنصوص عليه، والاكتفاء ببناء صهاريج يراها فارغة عمليًا، تُستعمل لتغليط الرأي العام حول القدرات التخزينية بدل الحديث عن المخزونات الفعلية القابلة للاستغلال.

ويضيف أن هذا الوضع يتزامن مع عوامل ظرفية مقلقة، من بينها ارتفاع الأمواج البحرية وسوء الأحوال الجوية، ما قد يعيق رسو السفن البترولية في الموانئ المغربية، ويهدد بتأثير مباشر على مخزونات هي في الأصل محدودة، الأمر الذي يزيد من هشاشة الأمن الطاقي في لحظة يفترض فيها الاستعداد لا استهلاك الفرص.

هذا النقاش يعيد أيضًا إلى الواجهة تصريحات سابقة لوزيرة الانتقال الطاقي، التي كانت قد أكدت أن سعر الغازوال لا ينبغي أن يتجاوز 11 درهمًا للتر، وسعر البنزين 10 دراهم، في حال بلغ سعر النفط 80 دولارًا للبرميل. اليوم، ومع تراجع السعر العالمي بنحو 20 دولارًا عن ذلك المستوى، تبدو الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني أكثر اتساعًا، ما يعمّق إحساس المستهلك بغياب العدالة السعرية.

ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة، رغم تهاوي البرميل، يعكس حدود نموذج تحرير الأسعار المعتمد، ويغذي الشكوك حول هوامش الربح والشفافية داخل سوق المحروقات. وفي هذا الإطار، يدعو الحسين اليماني إلى إعادة فتح النقاش حول الدور الاستراتيجي لمصفاة المغرب في مثل هذه الظروف، معتبرًا أن المصلحة العامة تقتضي إعلاء الأمن الطاقي للبلاد فوق كل الاعتبارات، والعمل بروح المسؤولية الوطنية لإحياء المصفاة وإعادة تشغيل أفرانها، بدل الاكتفاء بمراقبة أمواج الأسعار وهي تتلاطم دون أن تصل آثارها الإيجابية إلى جيوب المواطنين.

هكذا، وبين برميل يتهاوى في الأسواق الدولية وأسعار محلية تقاوم الانخفاض، يتجدد السؤال الجوهري حول من يستفيد فعليًا من تحرير سوق المحروقات، ومن يدفع كلفة اختلالاته، في بلد يظل فيه المواطن الحلقة الأضعف في معادلة طاقية تختلط فيها الحسابات الاقتصادية بالمصالح الضيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى