بنشقرون لـ”إعلام تيفي”: “تحالفات اليسار يجب أن تسبق الانتخابات لا أن تولد بعدها”

فاطمة الزهراء أيت ناصر
عاد الجدل حول موقع اليسار في المشهد السياسي ليطفو مجددا، لا باعتباره رقما انتخابيا عابرا، بل بوصفه مشروعا مجتمعيا يفترض أن يقدّم أجوبة عملية عن أسئلة العدالة والإنصاف والكرامة الاجتماعية.
في هذا السياق، قدم جمال كريمي بنشقرون عضو حزب التقدم والإشتراكية، في تصريحه لـ”إعلام تيفي”، قراءة تشخيصية لواقع اليسار المغربي، متوقفاً عند إشكالات التحالف، وحدود المشاركة الحكومية، ثم شروط بناء تجربة ديمقراطية ذات نفس اجتماعي واضح.
وينطلق بنشقرون من فكرة أساسية مفادها أن اليسار، رغم ما عرفه من تباينات وتوترات عبر مساره الطويل، يظل عائلة سياسية وفكرية تجمعها مرجعيات كبرى مشتركة. لذلك، لا يرى في التحالفات مجرد ترتيبات ظرفية تُملى بمنطق الصناديق، بل يعتبرها خيارا سياسيا ينبغي أن يبنى على أرضية فكرية منسجمة وبرنامج واضح يعكس انتظارات المجتمع ويمنح العمل السياسي معناه الحقيقي.
ومن هذا المنطلق، يربط المتحدث مستقبل اليسار بقدرته على بلوغ مرحلة يقود فيها تجربة حكومية قوية، قادرة على إحداث تحول اجتماعي ملموس، وإعادة الاعتبار لقيم المساواة والعدالة، بدل الاكتفاء بأدوار ثانوية أو حضور رمزي داخل المؤسسات، لا يغير في العمق من موازين القرار ولا من طبيعة السياسات العمومية.
وفي حديثه عن حزب التقدم والاشتراكية، شدد على أن تجديد الحزب يتم من داخل مرجعيته، مع الحفاظ على هويته اليسارية التقدمية، التي تضع في صلب مشروعها بناء مجتمع متكافئ الفرص، قائم على الإنصاف وتكافؤ الحقوق والواجبات. ويرى أن صمام الأمان لأي مشروع مجتمعي جاد يمر عبر ترسيخ العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية، وضمان توزيع منصف للثروات، مع اعتبار المساواة بين النساء والرجال مدخلاً مركزياً لأي إصلاح ديمقراطي حقيقي.
وتتوسع هذه الرؤية لتشمل معارك اجتماعية يعتبرها أساسية، من بينها محاربة الفقر والأمية والهشاشة، وتقوية منظومتي التعليم والصحة العموميتين، في مواجهة أي نزعة تسعى إلى تحويل هذين القطاعين الحيويين إلى مجال للربح بدل اعتباره حقاً مضموناً للمواطنين. ويؤكد في هذا الإطار أن ترجمة هذه الاختيارات إلى سياسات عمومية ليست حلماً مستحيلاً، بل رهينة بتوفر الإرادة السياسية والقدرة على الالتزام بتنفيذ البرامج المتفق عليها.
ومن بين النقاط التي شدد عليها بنشقرون الدعوة إلى بناء تحالفات يسارية قبل الاستحقاقات الانتخابية، على أساس برنامج مشترك ومعلن، بدل ترك الأمر لما بعد إعلان النتائج، حيث تتحول المشاورات إلى مفاوضات متسرعة تفتقر إلى الانسجام السياسي وتُفرغ التحالف من مضمونه. ويرى أن هذا الأسلوب هو السائد في الديمقراطيات المستقرة، حيث تتشكل الأغلبية والمعارضة وفق خطوط سياسية واضحة، ما يضمن حكماً منسجماً ومعارضة قوية وقادرة على المراقبة والمساءلة.
وفي استحضاره للتجربة المغربية، توقف عند محطة الكتلة الديمقراطية في تسعينيات القرن الماضي، التي مهّدت لحكومة التناوب التوافقي، معتبراً إياها لحظة مفصلية في التاريخ السياسي الحديث، ودليلاً على أن التحالفات المبنية على اختيارات مبدئية قادرة على إحداث تحولات كبرى عندما تتوفر شروطها السياسية والمؤسساتية.
أما بخصوص تجربة التحالف مع حزب العدالة والتنمية، فأوضح أنها جاءت في سياق استثنائي طبعته تحولات سياسية عميقة، من حراك 20 فبراير إلى اعتماد دستور 2011، مؤكداً أن مشاركة حزب التقدم والاشتراكية في الحكومة آنذاك كانت، في نظره، مساهمة في تقوية المؤسسات والحفاظ على التوازن السياسي والدفاع عن الحريات، رغم ما شاب التجربة من اختلافات في المرجعيات، خصوصاً في قضايا الحريات الفردية والقانون الجنائي ومدونة الأسرة. غير أن هذه التباينات، حسب تعبيره، لم تمنع من الاشتغال المشترك على أساس برنامج اقتصادي واجتماعي متفق عليه.
ويعبر بنشقرون عن طموحه في أن يتطور المشهد السياسي نحو حكومات ومعارضات مبنية على اختيارات واضحة ومتماسكة، لكنه في المقابل لا يُخفي وجود اختلالات عميقة في الحياة الحزبية، تستدعي مراجعة شاملة للبنية السياسية عبر الاجتهاد التنظيمي، وترصيف الصفوف، وتقوية أدوات التأطير والاشتغال الميداني.
وفي هذا السياق، يبرز دور الحزب من خلال حضوره داخل البرلمان ومبادراته الفكرية والتنظيمية، بهدف تقديم مقترحات عملية تسهم في تقوية المسار الديمقراطي وحماية المؤسسات والارتقاء بالأداء السياسي العام.
ويختم بنشقرون حديثه بالتأكيد على أن محاربة الفساد مسؤولية جماعية لا يمكن اختزالها في الشعارات، بل تتطلب إرادة حقيقية وتشجيع الكفاءات والنزيهين على الانخراط في العمل السياسي وتحمل المسؤولية، مشدداً على أن تدبير الشأن العام تكليف ثقيل وخدمة للمجتمع، لا امتيازاً ولا طريقاً لتراكم المصالح.










