بين صخب المدرجات وهيبة القانون.. عدالة تحرسها الضمانات وتسرّعها المساطر

حسين العياشي

في خضم الأجواء الحماسية التي رافقت مباريات كأس إفريقيا للأمم 2025، حيث امتزجت مشاعر الفرح بروح التنافس القاري، برز جانب آخر أقل صخبًا لكنه لا يقل أهمية: كيفية تدبير المخالفات والحالات المسجلة داخل محيط الملاعب في إطار يحفظ هيبة القانون ويصون الحقوق في آن واحد. وفي هذا السياق، جاء البيان المشترك الصادر عن وزارة العدل ورئاسة النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني ليضع النقاط على الحروف، مؤكدًا أن تجربة المكاتب القضائية المحدثة داخل الملاعب شكلت محطة نوعية في مسار تحديث العدالة وتعزيز حضورها الميداني.

البيان شدد على أن تسريع البت في القضايا المرتبطة بسياق المباريات لم يكن اختزالًا للمساطر أو التفافًا على الضمانات، بل جرى في احترام صارم للتشريع الوطني ولمبادئ حقوق الإنسان. فقد تم تمكين المعنيين بالأمر من كامل حقوق الدفاع، وصيانة قرينة البراءة، وضمان السير العادي للمساطر وفق ما يقتضيه القانون. ولم يُنظر إلى الملاعب باعتبارها فضاءً استثنائيًا يبرر التخفف من الضوابط، بل كامتداد طبيعي للمجال العام الذي تسري عليه نفس قواعد دولة الحق والقانون.

وفي معالجة بعض الأفعال ذات الطابع البسيط، جرى تفعيل آلية الصلح الزجري باعتبارها مدخلًا أوليًا في إطار العدالة التصالحية. هذا الخيار لم يكن إجراءً تقنيًا فحسب، بل عكس تصورًا متوازنًا يجمع بين متطلبات الردع وحماية النظام العام من جهة، وضمان الحقوق والحريات الفردية من جهة أخرى. إنها مقاربة تقوم على المعالجة المتدرجة، وتقدير طبيعة كل حالة على حدة، بما يكرس فلسفة قانونية تتوخى الملاءمة بدل التشدد الأعمى.

التجربة، كما عكسها البيان، لم تقتصر على تدبير وقائع معزولة، بل شكلت تمرينًا مؤسساتيًا متكاملًا أظهر قدرة المنظومة القضائية والأمنية على التكيف مع ضغط الزمن وكثافة الحضور الجماهيري، دون المساس بثوابت العدالة. فقد تجسد التنسيق بين القطاعات الثلاثة في رؤية مشتركة قوامها السرعة المقرونة بالصرامة، والنجاعة المقترنة بالضمانات، بما يعكس نضجًا في إدارة التظاهرات الكبرى.

ولعل الأهمية الأعمق لهذه الخطوة تكمن في بعدها الاستشرافي. فالمكاتب القضائية داخل الملاعب لم تكن مجرد حل ظرفي لمناسبة رياضية عابرة، بل مختبرًا ميدانيًا لاختبار نجاعة المساطر في بيئة استثنائية من حيث الإكراهات. وقد أتاح هذا الاختبار تقييم الأداء، ورصد مكامن القوة، واستشراف سبل التطوير، تمهيدًا لاستحقاقات أكبر تنتظر المملكة.

وفي مقدمة هذه الاستحقاقات يبرز تنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، حيث تبدو تجربة “كان 2025” تمرينًا مؤسساتيًا متقدمًا على إدارة العدالة في سياق التظاهرات العالمية. فنجاح أي موعد رياضي لا يقاس فقط بجودة التنظيم الأمني واللوجستيكي، بل كذلك بمدى احترام كرامة الأفراد وضمان حقوقهم في كل الظروف. وهنا، يبدو أن الرسالة كانت واضحة: دولة القانون لا تُعطلها الحشود، بل تختبرها، وتثبت حضورها في قلب الحدث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى