بين وعود الإصلاح وواقع التنزيل.. الأطباء المتعاقدون يواجهون ضبابية إدارية جديدة

حسين العياشي

في خضمّ التحولات التي تشهدها المنظومة الصحية الوطنية، عاد ملف تنزيل نظام المجموعات الصحية الترابية إلى الواجهة البرلمانية، بعد أن أثارت طريقة تطبيقه تساؤلات جديدة بشأن تداعياته المهنية والإدارية على فئة من الأطر الطبية. وفي هذا السياق، وجّهت النائبة البرلمانية لبنى الصغيري، عضو فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، سؤالًا كتابيًا إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، دقّت فيه ناقوس القلق بشأن ما اعتبرته حالة “ارتباك” رافقت تنزيل هذا الورش الإصلاحي، خاصة فيما يتعلق بوضعية الأطباء المتعاقدين.

وأشارت النائبة إلى أن القانون المتعلق بإحداث المجموعات الصحية الترابية، والذي قُدّم قبل ثلاث سنوات باعتباره ركيزة أساسية في مسار الإصلاح الهيكلي للقطاع الصحي، ظلّ لفترة طويلة دون تفعيل فعلي بسبب تأخر صدور مراسيمه التنظيمية. غير أن إخراج هذه المراسيم، تضيف الصغيري، تم قبل نحو ستين يومًا فقط، ليعقبه شروع سريع في التنزيل الميداني دون اعتماد مقاربة تدريجية أو فتح مشاورات كافية مع المعنيين بالأمر، وهو ما أفضى، بحسب تعبيرها، إلى حالة من الضبابية داخل القطاع الصحي.

وفي صلب هذا الجدل تبرز وضعية الأطباء المتعاقدين مع وزارة الصحة قبل اعتماد النظام الجديد، حيث أكدت البرلمانية أنه جرى نقل هؤلاء الأطباء إلى المجموعات الصحية الترابية دون سند قانوني واضح، ودون احترام مسطرة الإلحاق المنصوص عليها في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية. وترى الصغيري أن هذا الإجراء أفرز مجموعة من التعقيدات الإدارية، من بينها ضياع الأقدمية المهنية وتجميد الترقيات، فضلاً عن غموض يلف الوضعية الإدارية لهؤلاء الأطباء بين الوزارة الوصية والمجموعات الصحية الترابية التي انتقلوا للعمل ضمنها.

وتعتبر النائبة أن هذه الاختلالات لا تمس فقط الجوانب الإدارية للأطر الطبية، بل تمتد آثارها إلى استقرار الكفاءات الصحية داخل القطاع العمومي، مشيرة إلى أن غياب الوضوح القانوني في مثل هذه الإجراءات يطرح إشكالات تتعلق بالعدالة الإدارية وبضمان الحقوق المهنية للموارد البشرية الصحية.

كما أثارت الصغيري مسألة أخرى وصفتها بالمقلقة، تتعلق بطريقة احتساب أجور الأطباء المعنيين، والتي باتت – بحسب ما ورد في سؤالها – مرتبطة بمداخيل المراكز الصحية والمستوصفات التي يزاولون فيها مهامهم. وترى أن هذا التوجه قد يُخضع الأجر لمنطق السوق بدل منطق الخدمة العمومية، ويجعل دخل الطبيب رهينًا بإمكانيات المؤسسة الصحية التي يعمل بها، سواء كانت في منطقة حضرية ذات موارد أفضل أو في منطقة نائية تعاني ضعف الإمكانات.

وتحذر البرلمانية من أن اعتماد مثل هذا الأسلوب قد يكرّس تفاوتات داخل القطاع الصحي نفسه، ويفتح الباب أمام فوارق بين الأطر الصحية تبعًا لموقع المؤسسات التي يشتغلون بها، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول مبدأ تكافؤ الفرص والاستقرار الاجتماعي للمهنيين.

وفي ضوء هذه المعطيات، طالبت النائبة وزير الصحة والحماية الاجتماعية بتوضيح الأساس القانوني الذي استندت إليه الوزارة في نقل الأطباء المتعاقدين إلى المجموعات الصحية الترابية بدل إلحاقهم وفق المساطر المعمول بها، كما دعت إلى الكشف عن الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لمعالجة الإشكالات المرتبطة بضياع الأقدمية وتجميد الترقيات والحقوق المالية.

كما شددت على ضرورة فتح حوار “حقيقي ومستعجل” مع ممثلي الأطباء المتعاقدين، من أجل تدارك الاختلالات التي رافقت هذه المرحلة من التنزيل، وضمان تطبيق عادل ومنصف لهذا الورش الإصلاحي، بما يحفظ حقوق المهنيين ويعزز الثقة في مسار إصلاح المنظومة الصحية الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى