تقرير يكشف اختلالات عميقة في انتاجية الاقتصاد المغربي

حسين العياشي

كشف التقرير السنوي الصادر عن المرصد المغربي للمقاولة الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة عن صورة مركبة للنسيج الإنتاجي الوطني خلال سنة 2024، تجمع بين دينامية واضحة في إحداث المقاولات، وهشاشة بنيوية ما تزال تطبع قدرة عدد كبير منها على الاستمرار والنمو. التقرير، الذي يمتد على 178 صفحة، قُدم بالرباط من طرف المديرة التنفيذية للمرصد، أمل الإدريسي، واستند إلى معطيات رسمية محينة، من ضمنها التصريحات الجبائية وقواعد بيانات المقاولات المحدثة بشكل قانوني.

وتُظهر قراءة الأرقام استمرار وتيرة إحداث المقاولات، مدفوعة أساساً بالشركات ذات الشخصية المعنوية، التي سجلت حضوراً قوياً ضمن مجموع المقاولات الجديدة. فقد جرى تسجيل ما مجموعه 95 ألفاً و673 مقاولة خلال سنة واحدة، من بينها 67 ألفاً و796 شركة، وهو ما يمثل ارتفاعاً بنسبة 5,5 في المائة مقارنة بسنة 2023. في المقابل، سجل عدد المقاولات المملوكة لأشخاص ذاتيين تراجعاً لافتاً بنسبة 5,7 في المائة، ما يعكس تحولاً تدريجياً في بنية المبادرة الاقتصادية نحو الصيغ القانونية الأكثر تنظيماً.

غير أن هذه الحيوية في التأسيس لا تخفي واقعاً أكثر هشاشة حين يتعلق الأمر بالاستمرارية، إذ تشير المعطيات إلى أن ما يقارب ستة من كل عشرة مقاولات لا تنجح في تجاوز السنوات الثلاث الأولى من نشاطها، وهو ما يطرح مجدداً إشكالية البيئة الحاضنة للمقاولة الناشئة، وقدرتها على الصمود أمام تقلبات السوق وكلفة التشغيل وضعف التمويل.

ويبرز التقرير كذلك أن المشهد المقاولاتي المغربي ما يزال خاضعاً لهيمنة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والصغيرة، المصنفة ضمن فئة MTPPE، والتي تمثل ما يقارب 98,5 في المائة من مجموع النسيج الإنتاجي، في حين لا تتجاوز حصة المقاولات المتوسطة والكبيرة مجتمعة 1,5 في المائة. ورغم هذا الحضور الكثيف، فإن الوزن الاقتصادي لهذه الفئة يظل محدوداً، إذ لا تتجاوز مساهمتها في رقم المعاملات الإجمالي 23,5 في المائة، مع تمركز واسع في أنشطة منخفضة القيمة المضافة، وضعف في القدرة على الاستثمار والتوسع، ما يجعلها أكثر عرضة للصدمات الخارجية والتقلبات الظرفية.

وفي ما يتعلق بتوقف المقاولات عن النشاط، يقدم المرصد أرقاماً تختلف عن تلك المتداولة في النقاش العمومي، إذ سجلت حالات الحل والتصفية ارتفاعاً بنسبة 6,3 في المائة خلال سنة 2024 مقارنة بسنة 2023، لتبلغ 11 ألفاً و596 مقاولة. ويتركز هذا المنحى أساساً في قطاعات التجارة، وإصلاح المركبات والدراجات النارية، وقطاع البناء، التي تستحوذ وحدها على نحو نصف حالات التوقف المسجلة، بما يعكس هشاشة خاصة في الأنشطة المرتبطة بالدورة الاقتصادية والاستهلاك الداخلي.

ولا يفرد التقرير مساحة أقل لأحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمقاولات الصغيرة، وهو الولوج إلى التمويل. فرغم تعدد البرامج العمومية وخطوط القروض المخصصة، ما تزال حصة هذه المقاولات من إجمالي القروض البنكية دون عتبة 20 في المائة، وهو ما يحد من قدرتها على الاستثمار والتحديث. وفي هذا السياق، يدعو المرصد إلى مراجعة عميقة لآليات الضمان، وتحسين التنسيق بين السياسات العمومية والفاعلين الماليين الخواص، مع تبسيط مساطر الاستفادة من التمويل، وتعزيز أدوات التمويل شبه الذاتي ورأس المال طويل الأمد.

ومن جهة أخرى، يسلط التقرير الضوء على بطء وتيرة الانتقال الرقمي داخل شريحة واسعة من المقاولات، إذ رغم نجاح بعض الفاعلين في إدماج الأدوات الرقمية في التسيير والتسويق، ما تزال الأغلبية تعاني من ضعف الكفاءات وقلة المواكبة وضيق الإمكانات. ويعتبر المرصد أن تسريع الرقمنة لم يعد خياراً تقنياً، بل شرطاً أساسياً لرفع التنافسية وتحسين الاندماج في سلاسل القيمة.

وفي الخلاصة، يرسم تقرير المرصد لسنة 2025 ملامح اقتصاد مقاولاتي يتميز بحركية واضحة في المبادرة، لكنه يصطدم بقيود هيكلية تعيق تحول المقاولات الصغيرة إلى رافعة فعلية للنمو وخلق فرص الشغل. هشاشة الاستمرارية، وصعوبة التمويل، واستمرار الاقتصاد غير المهيكل، والتأخر الرقمي، تظل كلها تحديات مركزية يتعين معالجتها إذا ما أريد للمقاولة الصغرى أن تلعب دورها الكامل في تحقيق تنمية أكثر شمولاً واستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى