تمهيد الطريق لانتقال باهت..دور رئيس الحكومة يكتنفه الغموض

بشرى عطوشي
لم يكن الاجتماع الذي ترأسه الملك محمد السادس يوم الأربعاء الماضي، الذي خصص للمركب المينائي والصناعي الجديد “الناظور غرب المتوسط”، مقتصرا على الأخبار الاقتصادية فقط، بل كانت له دلالات للسلطة.
فبينما كان الهدف المعلن للاجتماع هو متابعة مشروع بالغ الأهمية للتوجه الجيواقتصادي للمملكة، إلا أن الدرس السياسي الأهم فيه يكمن في غياب دلالة مؤسسية عميقة، وهو غياب رئيس الحكومة.
مكونات الدائرة التي حضرت مع جلالة الملك خلال هذا الاجتماع، كانت تبرز بجلاء، أهمية المحيط بطاولة الاجتماع.
فاجتماع العمل هذا جرى بحضور وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، وزير التجهيز والماء نزار بركة، وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي، ورئيس مجلس إدارة الناظور غرب المتوسط فؤاد البريني.
حضر جميع الشخصيات المتوقعة على الكراسي المُرتبة حول الطاولة باستثناء الشخص الذي، يمثل الإطار المؤسسي التقليدي، والذي كان من المفترض أن يُمثل أعلى سلطة تنفيذية.
هذا الغياب الظاهر ليس من قبيل الصدفة، بل يكشف ضمنياً عن حقيقة ما يحصل بالفعل.
فتهميش رئيس الحكومة ليس ظاهرة حديثة. ينبع هذا من تآكل بطيء، ترسخ وكاد أن يكون طقسا واقعا، ففي اليوم السابق لهذا الاجتماع، قدم رئيس السلطة التنفيذية خطابا يسرد فيه إنجازات الحكومة، لم يكن هذا الإجراء بمثابة تثقيف سياسي بقدر ما كان اختتامًا رمزيًا، وكأن سردية السلطة قد أصبحت من الماضي.
يُضاف إلى ذلك الانسحاب الهادئ من القيادة الحزبية، والذي تم في عملية انتقال داخلي مُنمقة بعناية، مع اختيار خليفة مفاجئ وتأكيده في 7 فبراير: رئيس الفريق البرلماني لحزب التجمع الوطني للأحرار.
هناك أيضا غياب أو تغييب ضمني لرئيس الحكومة خلال التوقيع على وثيقة تأسيس “مجلس السلام ” بدافوس بسويسرا، حيث حضر وزير الخارجية حفل التوقيع على الوثيقة.
في الوقت نفسه، لا بد من الإشارة إلى أن مركز ثقل السلطة التنفيذية اختل وتغيرت نقاطه، حين أُسندت مهمة الإشراف على الانتخابات المقبلة وإدارة القضايا الرئيسية المتعلقة بالسيادة الإدارية والاجتماعية إلى وزارة الداخلية. تشير كل هذه المؤشرات المتضافرة إلى تقليص تدريجي لنطاق دور رئيس الحكومة، الذي بات يقتصر الآن على وظيفة إدارية بحتة.
لذا، لا يمكن اعتبار غياب رئيس الحكومة عن اجتماع مخصص لأحد أهم المشاريع في خطة التنمية الاقتصادية للمملكة مجرد ظرف طارئ. بل يعكس رسالة سياسية ضمنية، لكنها واضحة تمامًا، تفيد بنهاية حقبة كانت تُتخذ فيها القرارات السياسية الرئيسية في أماكن أخرى، عبر قنوات أكثر فعالية.
وبذلك، يُمهد الطريق لانتقال باهت، حيث تستمر الدولة في أداء مهامها بينما تنسحب الحكومة، في انتظار نتائج الانتخابات، التي ستعيد، في الوقت المناسب، توازن القوى وتُعيد تنشيط دور رئيس الحكومة الذي يكتنفه الغموض حاليًا.





