توجيه قضائي صارم: لا أحكام بلا تعليل مكتمل قبل إعلانها في الجلسات العلنية

حسين العياشي

وجّه الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية دعوة واضحة إلى مختلف المسؤولين القضائيين بضرورة تحرير المقررات القضائية كاملة قبل النطق بها في الجلسات العلنية، تقيدا صارما بالمقتضيات الدستورية والقانونية الجاري بها العمل.

الدورية الصادرة في هذا الإطار لم تأت بصيغة توجيه إداري عابر، بل استندت إلى مرتكزات دستورية وتشريعية دقيقة. فقد أحالت على المادة 15 من القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، باعتبارها تجسيدا عمليا لمقتضيات الفصل 125 من الدستور، الذي يلزم بتعليل الأحكام وصدورها في جلسات علنية، بما يضمن الشفافية ويكرّس حق المتقاضين في معرفة الأسس القانونية والواقعية التي بنيت عليها القرارات الصادرة في حقهم. وشددت الوثيقة على أن تحرير الحكم كاملا قبل التصريح به ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو ضمانة أساسية لحسن سير العدالة، مع مراعاة خصوصية بعض القضايا الزجرية وفق ما تفرضه الضوابط المسطرية.

ولم تكتف الدورية بالإحالة على الإطار العام، بل استحضرت أيضا مقتضيات قانون المسطرة الجنائية، ولا سيما المواد 364 و383-8 و429-1، التي تنص صراحة على ضرورة إعداد الأحكام بشكل مكتمل قبل النطق بها، وتحدد آجالا قانونية دقيقة في حال تعذر ذلك. ففي القضايا الجنحية كما في القرارات الصادرة عن غرف الجنايات، يبقى الأصل هو جاهزية القرار لحظة النطق به، مع إمكانية تأخير المداولة لمدة لا تتجاوز خمسة عشر يوما في بعض الحالات، شريطة أن يكون القرار محررا عند التصريح به، بما يقطع مع أي ارتجال أو ارتباك قد يطبع لحظة الإعلان عن الحكم.

وجاء هذا التذكير في سياق رصد تفاوت بين بعض المحاكم في مدى الالتزام بتحرير الأحكام قبل النطق بها. تفاوتٌ اعتبرته الدورية مقلقا، لما قد يترتب عنه من انعكاسات سلبية على صورة العدالة، ومن تأثير مباشر على حقوق المتقاضين، فضلا عن مساس محتمل بمبدأ البت داخل أجل معقول كما يقره الدستور. فالتأخير في تحرير الأحكام أو الاقتصار على منطوقها دون تعليل مكتمل يضعف قابلية القرار للفهم والمراقبة، ويحد من فعالية الطعن، ويغذي شعورا بعدم الاطمئنان لدى أطراف النزاع.

من هذا المنطلق، دعت الوثيقة إلى تعميم مضامينها على كافة القضاة بمختلف المحاكم، مع التشديد على التقيد الصارم بهذه القواعد، وإشعار المجلس بالصعوبات التقنية أو العملية التي قد تعترض التطبيق السليم لها. والغاية المعلنة ليست فقط توحيد الممارسة القضائية، بل الارتقاء بأدائها وترسيخ ثقافة قضائية قوامها التعليل المسبق، والانضباط للمسطرة، وضمان حقوق المتقاضين في إطار عدالة ناجزة ومسؤولة.

بهذا التوجيه، يضع المجلس الأعلى للسلطة القضائية مسألة تحرير الأحكام في صلب معركة ترسيخ دولة القانون، حيث لا يكتمل الحكم بمجرد النطق بمنطوقه، بل يتجسد في حيثياته وتعليله، وفي احترام الزمن القضائي، وفي القدرة على إقناع أطراف الدعوى والرأي العام بأن العدالة لا تُمارس فحسب، بل تُكتب وتُعلل وتُعلن وفق أرفع المعايير الدستورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى