توسع الكراء المؤقت يقلص عرض الكراء طويل الأمد ويضغط على القدرة الشرائية للأسر

أميمة حدري: صحافية متدربة
مع اتساع رقعة الكراء المؤقت داخل عدد من المدن المغربية، عاد النقاش حول أزمة السكن إلى صدارة الاهتمام، في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع العرض الموجه للكراء طويل الأمد وارتفاع أسعاره بوتيرة متسارعة.
هذا النمط من الكراء، الذي تسلل إلى الأحياء السكنية خارج أي تأطير صارم، لم يعد ينظر إليه فقط كخيار سياحي أو نشاط اقتصادي ظرفي، بل كعامل ضاغط يهدد استقرار السكن ويعمق اختلالات سوق العقار، وسط تحذيرات من تداعيات اجتماعية تمس حق فئات واسعة من المواطنين في الولوج إلى سكن لائق وبكلفة تتناسب مع قدرتهم الشرائية.
الكراء بالمغرب يتسم بطابع عشوائي
في هذا السياق، أكد محمد بنقدور، الرئيس المؤسس للجامعة الوطنية لجمعيات حماية المستهلك، أن أي “ارتفاع في الإيجار يفرض بالضرورة أعباء إضافية على الأسر، بحكم أن الكراء يظل من المصاريف القارة والأساسية”. معتبرا أن “سوق الكراء بالمغرب يتسم بطابع عشوائي، في ظل غياب آليات واضحة لتحديد الأسعار وضبط وتيرتها”.
وفي رده على ربط ارتفاع أسعار الإيجار بفشل السياسات السكنية الحكومية، اعتبر عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تصريح لـ “إعلام تيفي“، أن هذا الطرح يبقى نسبيا، مؤكدا أن الإشكال يرتبط بمنظومة متكاملة تتداخل فيها عدة عوامل، من بينها تدخل السماسرة والوسطاء والسعي إلى الربح السريع، وهي ممارسات، حسب تعبيره، “تعرقل توازن السوق وتفرغ الجهود العمومية من مضمونها”.
وأكد المتحدث ذاته في تصريحه، أن “غياب المراقبة الصارمة يسمح باستمرار اختلالات تمس شفافية السوق، وتخلق فروقا كبيرة وغير مبررة في الأسعار”، معتبرا أن “ترك المجال للمبادرات الفردية وحدها لا يمكن أن يفضي إلى تصحيح الوضع”.
وشدد بنقدور على ضرورة تدخل الدولة بشكل مباشر، سواء عبر آليات الدعم أو المراقبة أو السياسة الجبائية، من أجل تقنين قطاع الكراء والحد من العشوائية، مع الإقرار بأن هذا التدخل تأخر نسبيا، ما ساهم في تفاقم الإشكالات المرتبطة بارتفاع الأسعار وانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية.
توسيع العرض العقاري
من جهته، أكد عبد الكريم الشافعي، رئيس الفدرالية الجهوية لحقوق المستهلك بجهة سوس ماسة، أن ظاهرة الكراء المؤقت التي تعرف انتشارا متسارعا بعدد من المدن المغربية، باتت تمس بشكل مباشر الحق في السكن، بعدما ساهمت في تقليص العرض الموجه للكراء طويل الأمد ورفعت أسعاره إلى مستويات لا تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين، سواء من ذوي الدخل المحدود أو المتوسط.
وأوضح الشافعي، في تصريح لـ “إعلام تيفي“، أن تحويل عدد من الشقق السكنية إلى وحدات مخصصة للكراء السياحي أو المؤقت، يحرم فئات واسعة من المواطنين من الولوج إلى سكن لائق بثمن مناسب، مبرزا أن استفحال الكراء المؤقت، خاصة عبر المنصات الرقمية، يطرح إشكالات حقيقية تتعارض مع تصاميم التهيئة التي تحدد بدقة المجالات المخصصة للمركبات السياحية.
وشدد المتحدث على أن الانتشار غير المنظم لهذا النوع من الكراء داخل الأحياء السكنية، يشكل مساسا واضحا بالحق في السكن، كما يؤدي إلى إغلاق عدد كبير من المساكن في وجه الساكنة الدائمة، ويفرغ الأحياء من دورها الاجتماعي، ما يخلق اختلالا واضحا في التوازن بين العرض والطلب، خاصة في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
رئيس الفدرالية الجهوية لحقوق المستهلك، أشار في تصريحه، إلى أن تقلص العرض السكني يقابله ارتفاع مستمر في الطلب، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الكراء التي تعرف زيادات غير مبررة، تثقل كاهل الأسر، وتضرب مبدأ العدالة الاجتماعية، داعيا إلى محاربة الكراء المؤقت العشوائي الذي لا يستند إلى أي إطار قانوني أو تنظيمي.
المتحدث ذاته، أكد أن الكراء المؤقت ينبغي أن يظل محصورا في المناطق السياحية المخصصة له، لا داخل الأحياء السكنية، لافتا إلى أن الإشكال لا يقتصر على الاستعمال السياحي فقط، بل يتعداه إلى توظيف بعض الشقق لأغراض أخرى غير سكنية، ما يعمق الاختلالات داخل النسيج الحضري للأحياء التقليدية.
وفي السياق ذاته، دعا الشافعي إلى توسيع العرض العقاري ووضع إطار تنظيمي واضح يوازن بين تشجيع السياحة وحماية الحق في السكن، مع توفير مساكن موجهة للكراء طويل الأمد، خاصة لفائدة الطلبة، الذين يعانون، حسب تعبيره، من “غياب الأحياء الجامعية ودور الطلبة، وارتفاع تكاليف الكراء إلى مستويات تجعل متابعة الدراسة في المدن الجامعية أمرا شبه مستحيل”.





