جدري لـ”إعلام تيفي”: تأجيل الأقساط اعتراف صامت بارتباك برنامج “فرصة”

حسين العياشي

منذ إطلاق برنامج “فرصة” سنة 2022، ظلّ اسمه حاضرًا في النقاش العمومي باعتباره أحد أبرز رهانات الدولة على تحويل الشباب من موقع انتظار الوظيفة إلى موقع صناعة الفرص. غير أن التطورات الأخيرة، وما رافقها من حديث عن صعوبات في السداد وطلبات تأجيل الأقساط، أعادت فتح الملف من زاوية أكثر عمقًا تتجاوز لغة الأرقام إلى مساءلة الأثر الحقيقي للتجربة. في هذا السياق، يقدّم الخبير الاقتصادي محمد جدري قراءة تضع البرنامج بين طموحه الأصلي كأداة لبناء استقلال اقتصادي قائم على المبادرة، وبين اختبار السوق الذي كشف تعقيدات الواقع وحدود التصميم النظري.

وفي تصريح خص به “إعلام تيفي”، يؤكد جدري أن الفلسفة التي انطلق منها البرنامج لم تكن قائمة على منح قروض استهلاكية مقنّعة، بل على تمكين الشباب حاملي الأفكار من تأسيس مقاولات قادرة على تحقيق دخل قار والمساهمة في تحريك دينامية التشغيل. ولهذا صيغت الآلية التمويلية بشروط تفضيلية لافتة: قرض قد يصل إلى 100 ألف درهم، منها 90 ألفًا دون فائدة، فيما تتحمل الدولة عشرة آلاف درهم، مع سنتين كفترة سماح قبل بدء السداد، ثم أقساط شهرية لا تتجاوز في سقفها الأقصى 700 درهم موزعة على عشر سنوات. على مستوى التصور النظري، تبدو المعادلة متوازنة، بل مشجعة إلى حد كبير.

غير أن منطق السوق، كما يشدد الخبير الاقتصادي، لا يخضع لحسن النوايا؛ فإقرار الحكومة بإمكانية تأجيل سداد الأقساط لمدة سنة إضافية وفتح المجال لتقديم الطلبات في هذا الشأن، يُعد في نظره إشارة واضحة إلى وجود تعثرات ميدانية حقيقية. كما أن حجم الإقبال على طلبات التأجيل يعكس الضغط الذي تعيشه فئة من المستفيدين، ويدفع إلى التساؤل عمّا إذا كان الأمر يتعلق بصعوبات ظرفية أم بإشكاليات أعمق تمسّ بنية المشاريع أو آليات المواكبة.

ويرى جدري أن عجز مقاولة ناشئة عن أداء مبلغ شهري يتراوح بين 500 و700 درهم لا يمكن اعتباره مجرد تعثر عابر، بل مؤشر على أن المشروع لم يصل بعد إلى الحد الأدنى من خلق القيمة المضافة التي تضمن استمراريته. ومن هنا تتفرع الأسئلة حول مكامن الخلل: هل يتعلق الأمر بهندسة البرنامج؟ أم بضعف المواكبة والتأطير؟ أم بطبيعة المشاريع ذاتها؟ أم أن الإشكال يكمن في تفاعل هذه العوامل داخل بيئة اقتصادية تنافسية لا تترك مجالًا كبيرًا للتجربة والخطأ؟

لا ينفي الخبير وجود اختلالات مرتبطة بالمواكبة وبصعوبات التسيير والولوج إلى الأسواق والطلبيات العمومية، لكنه يلفت إلى بعد آخر أكثر حساسية يتعلق بطبيعة الدوافع؛ فجزء من المستفيدين، في تقديره، لم يكن مدفوعًا بروح المقاولة بقدر ما كان مدفوعًا بالحاجة إلى شغل. والفرق بين المنطقين جوهري؛ فالمقاول يقبل بالمخاطرة وعدم اليقين ويتعامل مع الربح والخسارة باعتبارهما جزءًا من المسار، بينما يبحث طالب الوظيفة عن استقرار مضمون ودخل منتظم. وعندما تختلط هذه الدوافع، يصبح المشروع هشًّا أمام أول اختبار حقيقي.

ويشدد جدري على أن المسؤولية هنا ليست أحادية، بل موزعة بين منظومة الدعم وحاملي المشاريع معًا؛ فالتمويلات المرصودة مصدرها المال العام، أي أموال دافعي الضرائب، ما يجعل استرجاعها قاعدة أساسية للحفاظ على الثقة في السياسات العمومية. ويمكن اعتماد صيغ مرنة للسداد وإعادة الجدولة ومنح آجال إضافية عند الضرورة، غير أن تحويل القروض إلى هبات غير معلنة، في نظره، من شأنه أن يضرب مصداقية التجربة ويقوض أي مبادرة مستقبلية مماثلة.

في المقابل، يؤكد الخبير أن الهدف من البرنامج لم يكن جرّ المستفيدين إلى أروقة المحاكم، بل تمكينهم من تثبيت مشاريعهم. والمطلوب، وفق قراءته، هو مقاربة متوازنة تحمي المال العام دون خنق المبادرات في مهدها، وتعالج التعثر باعتباره إشارة تستدعي التصحيح والمواكبة بدل العقاب.

ولمعالجة هذه الاختلالات، يدعو جدري إلى تفعيل دور الشركة المغربية للهندسة السياحية، المكلفة بهذا البرنامج، وفتح قنوات استماع حقيقية للمستفيدين من أجل فهم مكامن الخلل من داخل التجربة اليومية، لأن الخطر لا يكمن فقط في تعثر مشاريع متفرقة، بل في احتمال أن تتراكم الصعوبات لتتحول إلى موجة إفلاسات ذات كلفة اقتصادية واجتماعية أوسع.

بهذا المعنى، يقف برنامج “فرصة” اليوم عند مفترق طرق؛ إما أن يتحول إلى تجربة قابلة للتقويم والتطوير عبر تعزيز الحكامة وآليات المواكبة وتحسين انتقاء المشاريع، أو أن يُسجَّل كدرس مكلف في مسار البحث عن نموذج ناجع لدعم المبادرة الفردية. وبين الطموح السياسي الصريح والواقع الاقتصادي الصارم، يبقى التحدي قائمًا في تحقيق توازن دقيق بين تشجيع روح المقاولة وصون المال العام، دون أن تتحول البداية الواعدة إلى نهاية متعثرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى