ذهب المغرب في قبضة المضاربين.. الحرفيون بين ارتفاع الأسعار وشبح الإفلاس

حسين العياشي

يواجه قطاع الصياغة بالمغرب واحدة من أصعب مراحله خلال السنوات الأخيرة، في ظل مؤشرات مقلقة تنذر بتداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة، بعد أن أُغلق أو جُمّد نشاط ما يقارب نصف محلات الصياغة والصناعة خلال شهر يناير وحده، وفق ما كشفته البرلمانية عائشة الكوط، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، في سؤال شفوي موجه إلى وزير الصناعة والتجارة.

وتتجاوز الأزمة حدود التراجع الظرفي إلى اختلالات عميقة في بنية السوق، إذ تشير المعطيات إلى هيمنة فئة من المضاربين، المعروفين في الوسط المهني بـ“الشناقة”، على ما بين 70 و80 في المائة من عمليات تزويد السوق بالمواد الأولية. هذه الهيمنة، بحسب المعطيات نفسها، أفرزت وضعاً غير متوازن تتحكم فيه شبكات الوساطة في وتيرة العرض والأسعار، حيث تُفرض أثمان تفوق السعر الدولي بهوامش قد تصل إلى 200 ألف درهم للكيلوغرام الواحد، في مفارقة لافتة تتجلى في استمرار الأسعار المرتفعة محلياً رغم تسجيل تراجعات في الأسواق العالمية، كما حدث عند انخفاضها بنسبة 4 في المائة نهاية يناير.

هذا الاختلال في آليات التسعير والتزويد أسهم في خلق حالة ركود تجاري خانقة داخل القطاع، إذ وجد الصانع والتاجر نفسيهما أمام كلفة إنتاج مرتفعة تقوّض القدرة التنافسية وتحدّ من هامش الربح، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية ويزداد الضغط على الحرفيين الصغار الذين يشكلون العمود الفقري للمهنة.

وتتعمق الأزمة أكثر بفعل ما وُصف بعدم التزام بعض المناجم الوطنية بطرح الحصة القانونية المخصصة للسوق المحلية، المحددة في 15 في المائة من الإنتاج، مقابل توجيه القسم الأكبر نحو التصدير. وهو ما يخلق مفارقة صارخة، خصوصاً في قطاع الفضة، الذي تضرر بشكل لافت رغم أن المغرب يُعد من كبار مصدّريها عالمياً، بإنتاج يفوق 355 طناً من منجم واحد، بينما يُجبر الصانع المحلي على اقتنائها بأسعار تتجاوز ضعف السعر الدولي.

إلى جانب ذلك، يواجه عدد من التجار عراقيل إجرائية مرتبطة بمكتب الصرف، تعرقل مسار الاستيراد القانوني للمواد الأولية وتحدّ من انسيابية التموين، ما يدفع بعض الفاعلين إلى البحث عن قنوات غير رسمية تُضاعف هوامش الربح وتنعكس سلباً على كلفة الإنتاج وأسعار البيع، ليجد الصانع والتاجر والمستهلك أنفسهم جميعاً أمام حلقة ضغط متواصلة.

في ظل هذا الواقع، طُرحت تساؤلات حادة حول مدى نجاعة السياسات العمومية في ضبط السوق الوطنية للذهب والفضة، وحول الإجراءات المنتظرة للحد من هيمنة المضاربين وإعادة التوازن إلى منظومة التموين والتسعير. كما برز مطلب إلزام الشركات المنجمية باحترام الحصة القانونية الموجهة للسوق المحلية، باعتبارها رافعة أساسية لحماية الصناعة التقليدية واستقرار سلاسل الإنتاج.

وتتجاوز الرهانات الجانب الاقتصادي إلى أبعاد اجتماعية وثقافية، إذ يرتبط قطاع الصياغة بآلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، ويشكّل جزءاً من الهوية الحرفية للمغرب. من هنا تبرز الحاجة إلى خطة إنقاذ متكاملة تُخرج القطاع من دائرة الاختناق، عبر تنسيق مؤسساتي يشمل وزارة الصناعة والتجارة ومكتب الصرف وباقي الجهات المعنية، مع مراجعة الإطار القانوني المنظم لاستيراد المواد الأولية بما يواكب تقلبات البورصات العالمية ويحمي التوازن الداخلي للسوق.

فاللحظة الراهنة، كما توحي المؤشرات، لم تعد تحتمل حلولاً جزئية أو مؤقتة، بل تستدعي تدخلاً عاجلاً يعيد الثقة إلى الحرفيين والتجار، ويضمن استمرارية قطاع يجمع بين القيمة الاقتصادية والرمزية، ويظل أحد أعمدة الصناعة التقليدية والأنشطة المرتبطة بها في البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى