ربورتاج..الأمطار تنعش القطيع وتعيد الروح إلى سوق جمعة سحيم

فاطمة الزهراء أيت ناصر
مع الساعات الأولى من صباح الجمعة، يبدأ سوق جمعة سحيم بإقليم آسفي في استقبال رواده القادمين من مختلف المناطق، في مشهد يتكرر منذ عقود ويجسد استمرارية واحد من أعرق الأسواق الأسبوعية بالمغرب.
شاحنات محملة بالمواشي، فلاحون شدوا الرحال منذ الليل، وتجار يبحثون عن صفقات تعوض مواسم صعبة طبعتها ندرة التساقطات وتراجع المراعي.
هذا الأسبوع، بدت ملامح الارتياح واضحة على وجوه الكسابة والفلاحين، فالأمطار الأخيرة أعادت التوازن إلى الحقول والمراعي، وساهمت في تحسن صحة القطيع وجودة اللحوم، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حركة البيع والشراء داخل رحبة المواشي، التي عرفت انتعاشا ملحوظا مقارنة بالسنوات الماضية.
داخل فضاء الرحبة، تتداخل أصوات المساومات مع خوار الأبقار وثغاء الأغنام، بينما ينشغل التجار بفحص القطيع والتأكد من سلامته، حلقات البيع تتشكل بسرعة، وصفقات تبرم بعد شد وجذب، في طقس تجاري تقليدي ما يزال يحافظ على قواعده غير المكتوبة.

يقول الكساب العربي لـ”إعلام تيفي”: “الشتا حسنات الأوضاع، الماشية دابا ولات كتشرب وترعى مزيان، وهاد الشي بان فالسوق.”
وأوضح لـ”إعلام تيفي”، أن: “الكساب داز من ظروف صعيبة، ودابا غير بدا كيتنفس، الثمن طالع شوية ولكن ماشي بزاف.”
هذا التحسن دفع الأثمنة إلى تسجيل ارتفاع طفيف، وصفه مهنيون بالطبيعي، خاصة في الأبقار والعجول والأغنام، مؤكدين أن الأسعار ما تزال في مستويات معقولة بالنظر إلى تحسن جودة القطيع وتراجع جزء من كلفة الأعلاف.

ويحظى سوق جمعة سحيم بسمعة طيبة في ما يخص جودة المواشي المعروضة، بفضل اعتماد الكسابة على سلالات محلية قوية، تربت في مراعي المنطقة. وهو ما يجعل السوق نقطة جذب لتجار قادمين من أقاليم مجاورة، خاصة في الفترات التي تسبق المناسبات الدينية.
غير أن هذا الانتعاش لا يخلو من بعض الاختلالات، حيث يشتكي عدد من المرتفقين من ممارسات غير قانونية، تتعلق بإخفاء عيوب بعض الرؤوس أو التلاعب في الأسعار، ما يطرح مجددا إشكالية المراقبة داخل السوق وضرورة حماية حقوق البائع والمشتري على حد سواء.
وفي هذا الإطار، تضطلع جمعية بائعي المواشي بإقليم آسفي بدور أساسي في تنظيم السوق، من خلال تأطير عمليات البيع، وضبط فضاءات العرض، والتدخل لحل النزاعات، بتنسيق مع السلطات المحلية، بهدف ضمان السير العادي للمعاملات واحترام الشروط الصحية والتنظيمية.
ومع اقتراب عيد الأضحى، يترقب المهنيون تطور الأوضاع داخل السوق، وسط توقعات بموسم جيد من حيث وفرة القطيع واستقرار الأسعار، ويعزو الفلاحون ذلك إلى تحسن المراعي وقرار إلغاء النحر خلال الموسم الماضي، الذي ساهم في الحفاظ على الثروة الحيوانية.
يقول محمد، فلاح شاب من المنطقة وهو يستريح في المقهى : “إلى بقات الظروف هكا، راه العيد غادي يدوز مزيان، والناس غادي تلقى بثمن معقول.”
ومع نهاية المعاملات، يتحول السوق إلى فضاء للقاءات وتبادل الحديث داخل المقاهي الشعبية، حيث تناقش الأسعار وتستعاد ذكريات سنوات الجفاف، في مشهد يختزل العلاقة الوثيقة بين السوق وحياة الفلاحين.

هكذا يواصل سوق جمعة سحيم أداء دوره التاريخي، ليس فقط كسوق لتبادل المواشي، بل كفضاء يعكس تحولات العالم القروي، وصمود الفلاحين، وانتظارهم الدائم لمواسم أكثر استقرارا.







