سطات تفقد أحد أكبر مشاريعها الصناعية.. إغلاق مصنع إسباني يقلب حياة مئات الأسر

حسين العياشي

تعيش مدينة سطات على إيقاع صدمة اقتصادية واجتماعية قاسية، بعد أن أُسدل الستار على تجربة صناعية كانت تُعد من أبرز قصص النجاح في الجهة. فقرار الإغلاق المفاجئ للمصنع الإسباني للنسيج “سيطافيكس” وضع أكثر من 500 عامل وعاملة أمام مصير مجهول، تاركًا وراءه مئات الأسر تواجه البطالة والضياع، ومخلفًا فراغًا كبيرًا في النسيج الاقتصادي المحلي الذي كان يعتمد إلى حد كبير على نشاط هذه الوحدة الصناعية.

المصنع الإسباني، الذي يحمل اسم “SETTAVEX”، استقر بمدينة سطات منذ سنوات طويلة، وكان يُعد أحد أهم المشاريع الأجنبية التي ساهمت في تنشيط الاقتصاد المحلي وتشغيل اليد العاملة النسوية على وجه الخصوص. لكن خلف الصورة الهادئة، كانت الأزمة تتفاقم بصمت. فالشركة واجهت خلال الأشهر الأخيرة أزمة مالية خانقة، بسبب تراكم الديون وتراجع الطلبيات، ما جعلها تدخل في دوامة من العجز انتهت بإغلاق أبوابها بشكل نهائي، بعد أن استنزفت كل محاولات الإنقاذ.

مصادر محلية أكدت أن العامل السابق لإقليم سطات، إبراهيم أبو زيد، الذي عُيّن مؤخرًا عاملًا على صفرو، حاول بشتى الطرق إنقاذ المشروع. فقد عقد سلسلة اجتماعات مع المستثمر الإسباني وعدد من الفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين لإيجاد مخرج للأزمة. بل إن وساطات غير رسمية تمت مع صلاح الدين مزوار، الرئيس الأسبق للاتحاد العام لمقاولات المغرب، لبحث إمكانية ضخ استثمارات أو وساطة مالية تعيد الحياة للمصنع.

ورغم هذه الجهود، لم يُكتب لهذه المساعي النجاح. فالأزمة المالية كانت أعمق مما بدت عليه. إذ بلغت الديون مستويات مقلقة، ما دفع إدارة الشركة إلى التفاوض مع صندوق استثمار عقاري لبيع أراضي ومباني الوحدة الصناعية مقابل 220 مليون درهم، في محاولة لتسديد الديون واستئناف النشاط الإنتاجي. غير أن الصفقة لم تكتمل، لتسدل بذلك الستارة على مشروع كان يُشكل مصدر رزق مئات الأسر بالمنطقة.

في المقابل، دخلت النقابة المحلية للاتحاد المغربي للشغل على الخط، وأعلنت عن تأسيس فرع نقابي داخل الشركة، هدفه الدفاع عن حقوق العمال والمستخدمين الذين وجدوا أنفسهم فجأة دون دخل أو تعويض. النقابة اعتبرت أن ما حدث “كارثة اجتماعية”، محمّلة السلطات الحكومية مسؤولية ما وصفته بـ”التخلي عن العمال في لحظة حرجة”.

تداعيات الإغلاق وصلت إلى قبة البرلمان، حيث وجّه النائب الحركي محمد هيشامي سؤالًا كتابيًا إلى وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، طالب فيه بتوضيح الأسباب الحقيقية وراء توقف نشاط المصنع الإسباني، رغم الوعود السابقة بإنقاذه، وبالكشف عن الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها لحماية حقوق العمال المتضررين وجلب استثمار بديل يعوض الخسارة.

ويرى مراقبون أن انهيار هذا المشروع الصناعي لا يُمثل مجرد فشل استثماري عابر، بل يعري هشاشة البنية الإنتاجية بمدينة سطات، التي تعاني أصلًا ضعفًا في فرص التشغيل وغياب استثمارات قوية قادرة على امتصاص اليد العاملة المحلية. كما يكشف الحادث عن قصور واضح في آليات التدخل الحكومي لإنقاذ الوحدات الصناعية المهددة بالإفلاس، رغم الشعارات الرسمية الداعية إلى دعم الاستثمار الأجنبي وتشجيع التصنيع المحلي.

وهكذا، تحوّل “سيطافيكس” من رمز للأمل الصناعي بسطات إلى قصة أخرى من قصص الإخفاق التي تضع الحكومة أمام سؤال ملحّ: كيف يمكن حماية مناصب الشغل وصون كرامة العمال، في زمن تتهاوى فيه المصانع تباعًا دون حلول ناجعة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى