لمراوي لـ “إعلام تيفي”: تفاوت التعويض بين المناطق المنكوبة يؤثر على العدالة المجالية

أميمة حدري: صحافية متدربة

تتصدر فيضانات الغرب والشمال الغربي، عناوين وسائل الإعلام، واضعة الترسانة القانونية المغربية أمام اختبار حقيقي لكفاءة تطبيقها في مواجهة الكوارث الطبيعية الكبرى. الأحداث لم تعد مجرد أزمة إغاثة ميدانية، بل كشفت هشاشة آليات حماية المتضررين، وطرحت تساؤلات جدية حول مدى قدرة القانون على ترجمة ضمانات “العدالة المجالية” على أرض الواقع، خصوصا في ما يتعلق بتفعيل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، ورفع نسبة رسم التضامن ضد الوقائع الكارثية في مرسوم حكومي قبل أشهر قليلة.

وفي ظل تأخر إعلان مناطق منكوبة رغم حجم الخسائر، هل يمكن القول إن القانون 110.14 كاف لضمان حقوق المتضررين، أم أن المساطر الإدارية والبيروقراطية تحول دون فعالية التدخل وحماية المتضررين في الوقت المناسب؟.

القانون 110.14 بين التطبيق والتحديات

في هذا الإطار، أشار بلال لمراوي، الباحث في القانون العام، إلى أن الإطار القانوني المنظم لإعلان “الواقعة الكارثية”، محدد بمقتضى القانون رقم 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية، مبرزا أن المادة الثالثة منه، تنص على أن الواقعة الكارثية هي كل حادث يترتب عنه ضرر مباشر داخل التراب الوطني، يكون سببه فعلا طبيعيا أو بشريا عنيفا، ويشترط فيه عنصر الفجائية وعدم التوقع، أو أنه رغم إمكانية توقعه فإن التدابير المتخذة لم تكن كافية للحيلولة دون وقوعه.

وأوضح لمراوي في تصريح لـ “إعلام تيفي“، أن هذا التعريف يضع معيارين أساسيين، طبيعة السبب وجسامة الأثر، إلى جانب عنصر المباغتة أو قصور إجراءات الوقاية. مضيفا أن إعلان الواقعة الكارثية، يتم بقرار إداري صادر عن رئيس الحكومة، بعد استطلاع رأي لجنة تتبع الوقائع الكارثية، وذلك داخل أجل أقصاه ثلاثة أشهر من تاريخ وقوع الحادث.

في السياق ذاته، تابع قائلا: “يترتب عن هذا الإعلان، وفق المقتضيات المعمول بها، فتح مسطرة التعويض لفائدة المتضررين، سواء عبر صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية بالنسبة لغير المؤمن لهم، أو عن طريق شركات التأمين بالنسبة للمؤمنين الذين تغطي عقودهم هذا النوع من المخاطر”. مؤكدا أن قرار الإعلان يشكل نقطة ارتكاز في تفعيل منظومة جبر الأضرار، إذ بدونه لا يمكن مباشرة مسطرة الاستفادة من التعويضات المنصوص عليها قانونا.

وفي ما يخص الجدل المرتبط بإمكانية اعتبار تأخر إصدار قرار الإعلان إخلالا بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أو بمبدأ استمرارية المرفق العام، اعتبر لمراوي أن الأجل القانوني المحدد في ثلاثة أشهر يعد المرجع الأساس في تقييم مدى احترام الإدارة لالتزاماتها الشكلية، مضيفا أنه طالما لم ينقض هذا الأجل فلا يمكن من الناحية القانونية الحديث عن تأخر بالمعنى الدقيق. غير أنه سجل أن النقاش قد يثار على مستوى التقدير السياسي أو الأخلاقي إذا تبين وجود تماطل غير مبرر، ينعكس سلبا على حقوق المتضررين في التعويض داخل آجال معقولة.

وعزا الباحث في القانون العام، أسباب عدم تفعيل الإعلان في بعض الحالات إلى اعتبارات متعددة، من بينها نجاح تدابير وقائية في الحد من حجم الخسائر بعدد من المناطق، من خلال عمليات إجلاء أو تنقيل مؤقت للسكان، وهو ما قلص من عدد الضحايا والخسائر الجسيمة. وفي المقابل، أشار إلى أن مناطق أخرى عرفت أضرارا مادية كبيرة نتيجة انجراف التربة والسيول، بما في ذلك تضرر عدد مهم من المساكن، ما يعكس تفاوتا في حجم الخسائر بين الأقاليم.

وسجل أن من بين الإشكالات المطروحة كذلك صعوبة إعلان منطقة دون أخرى في حال تشابه الظروف المناخية، لما قد يترتب عن ذلك من إحساس بالتمييز واحتقان اجتماعي إذا ما تم تعويض متضرري مجال ترابي معين دون غيره. معتبرا أن هذا المعطى، وإن كان لا يندرج ضمن الشروط القانونية الصرفة، يظل حاضرا في خلفية القرار العمومي بالنظر إلى حساسية تدبير الكوارث وتداعياته الاجتماعية.

اقتراحات الإصلاح وتعزيز التدخل العمومي

وبخصوص ما إذا كانت التجارب السابقة، كزلزال الحوز وفيضانات آسفي، كشفت عن اختلالات بنيوية في المنظومة أم أن الإشكال يظل في مستوى التنزيل، أوضح لمراوي أن عددا من الشروط المرتبطة بإعلان الواقعة الكارثية قد تكون عرضة لتأويلات تقنية، ما قد يفضي إلى بطء في اتخاذ القرار.

وأكد أنه في الحالات التي لم يتجاوز فيها الأجل القانوني ثلاثة أشهر لا يمكن الحديث عن تأخر من الناحية الشكلية، مضيفا أن أي تعثر محتمل قد يرتبط بعوامل مالية وسياسية، من قبيل محدودية الاعتمادات اللازمة لتغطية حجم الأضرار عندما يكون عدد المتضررين كبيرا.

وأشار إلى أن الإشكال الأبرز يتمثل في غياب آليات تقييم تلقائية تستند إلى مؤشرات ومعايير تقنية مضبوطة، تشكل مرجعا موضوعيا لا يترك مجالا واسعا للاجتهاد، مبرزا أن تحديد “المنطقة المنكوبة” يطرح بدوره صعوبات عملية، إذ قد توجد داخل المجال الجغرافي المعني مناطق لم تتأثر فعليا، ما يطرح تحديا على مستوى دقة الاستهداف وضمان عدالة توزيع التعويضات.

وفي ما يتعلق بالإصلاحات المستعجلة من منظور الحكامة العمومية، دعا الباحث إلى مراجعة بعض الجوانب التقنية للقانون، خاصة ما يرتبط بآلية التقييم وربط التعويض بقرار الإعلان، مقترحا إرساء نظام يقوم على مؤشرات واضحة ومحددة سلفا بحسب نوع الكارثة وطبيعتها، بما يسمح بتفعيل التعويض بشكل أكثر سرعة ونجاعة. كما شدد على ضرورة توظيف الوسائل الرقمية في تدبير الكوارث، من خلال أنظمة للرصد وجمع المعطيات وتحليلها في الزمن الفعلي، بما يعزز سرعة الاستجابة ودقة القرار.

وختم لمراوي تصريحه لـ “إعلام تيفي“، بالتأكيد على أهمية تعزيز ثقافة التأمين عن الممتلكات لدى المواطنين، باعتبارها ركيزة مكملة لتدخل الدولة، تتيح تعويض المتضررين في إطار تعاقدي منظم، وتخفف الضغط عن المالية العمومية، خاصة في ظل تزايد المخاطر المناخية وتواتر الظواهر الطبيعية القصوى، وما يفرضه ذلك من تطوير مستمر لمنظومة تدبير المخاطر وجبر الأضرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى