عن بانينكا دياز…خسارة كأس أفضل من “نصر بيري”

د.عبد الفتاح نعوم
في بدايات القرن الثالث قبل الميلاد؛ شهدت أراضي جنوب إيطاليا مدّا رومانيا متسارعا، لم يوقفه لفترة سوى النصر العسكري التاريخي الذي سجله القائد اليوناني بيروس في معركة “أسكولوم”، لكنه دفع ثمنا باهظا تمثل في خسائر فادحة مسّت عتاده ورجاله، وجعلته غير قادر على مواصلة أي حرب أخرى، حتى أن القائد نفسه، وهو يتلقى التهاني من أحد أصدقائه، أطلق عبارته الخالدة قائلا: “نصر آخر كهذا على الرومان، وسنكون قد هلكنا تمامًا”. لقد كان ذلك النصر، في جوهره، هزيمة مقنعة، إذ استنزف قوى بيروس وأجبره على الانسحاب في نهاية المطاف، تاركا الرومان يتعافون بسرعة ويستمرّون في توسعهم، ليصبح هذا المثال درسا فلسفيا بشأن بعض الانتصارات التي تفوق أكلافها الفائدة الظاهرة منها، ما يعني أنه من الأفيد أحيانا من الناحية الاستراتيجية أن يخسر المرء معركة بعينها إذا كان الفوز فيها سيؤدي إلى خسارة أكبر.
يسوغ لنا إذن وصف الفوز بكأس أمم إفريقيا لو أحرزه المغرب باعتباره شكلا من اشكال “النصر البيري”، بصرف النظر عن أن السعي والجهد بقيا قائمين حتى آخر لحظة من أجل إحرازه. بيد أن النهائي الدرامي لهذا العرس الذي شهدته مدينة الرباط مساء يوم الأحد، قد جعل الأمر يتجاوز مجرد مواجهة رياضية بين المنتخب المغربي والسنغالي انتهت بفوز السنغال بهدف نظيف في الوقت الإضافي، بل كان فصلًا من فصول معارك كثيرة أكثر شراسة خاضها المغرب خارج الملاعب في السياسة الدولية ومساحات الإعلام القديم والجديد مدافعا عن صناعته الرياضية الصاعدة، وعن امتلاكه القوة الناعمة القمينة بإدارة الصورة الدولية لتجربة إفريقية في أوج صعودها الاستراتيجي.
ولعل تأملا متأنيا لتفاصيل تلك الملحمة التي وصفتها معظم الصحف بـ”الفوضوية” سينتهي إلى أن انتصار المغرب في تلك اللحظة الحرجة والمشحونة بركلة جزاء كان سيُنهي المباراة لصالح المغرب قولا واحدا، لاسيما وأن ابراهيم دياز كان يريد، بذكاء، للفوز أن يكون بطعم رمزي يعيد كل شيء إلى العام 1976 حيث آخر فوز للمغرب باللقب الإفريقي وحيث أول اختراع لتقنية “البانينكا” في ركل الكرة منذ أن قام بها اللاعب التشيكوسلوفاكي انتونين بانينكا في نهاية كأس أوروبا لنفس العام. غير أن ذلك لم يحدث وفازت السنغال بالكأس بعدئذ. إذن فالأمر يتعلق بركلة محترفة وفنية في غاية الدقة والتمكّن، ولا يوجد في التحليل الرياضي ما يؤكد فرضية “التنازل” غير بعض وجهات النظر الصادرة عن بعض رواد وسائل التواصل الاجتماعي الذين يُغريهم كثيرا اطلاق مثل هذا التفاسير تبعا لمنطق استقطاب المشاهدات.
لكن فلنتخيل لو حصل العكس، وفاز المغرب عقب هدف سنغالي مُلغى، وما تلا ذلك من توقف مربك ومريب دام لسبع عشرة دقيقة إثر انسحاب لاعبي السنغال بأمر من مدربهم باب ثياو قبل أن يعيدهم اللاعب ساديو ماني، ألم يكن هذا الانتصار قد تحول لو تحقق إلى “نصر بيري” بامتياز سيكلّف المغرب خسارة وهج صناعته الرياضية وتفخيخ علاقاته التاريخية مع حليفه الاستراتيجي السنغال. لاسيما وأن الحملات الإعلامية المُمنهجة التي استهدفت المغرب ودورته قبل حتى انطلاقها بأياد قطرية وجزائرية، وركبت موجاتها جنوب إفريقيا تارة وبعض الأصوات المصرية تارة أخرى، وصولا إلى استقطاب تلك الحملات لمدرب فريق السنغال في اليومين الاخيرين وقسما من جمهوره، ألم يكن من شأن نصر بيري كهذا أن يضاعف من موجات تلك الحملات؟؟.
لا أسعى في هذه الاسطر إلى تخفيف وطأة الخسارة على الجمهور المغربي، عبر تفسير غير نمطي للأحداث، ولا إلى الزعم أن التنظيم لا يمكن ان تشوبه أخطاء معينة بقدر ما هو ناتج عن فعل بشري ما قد يستدعي انتقادات الآخرين، ولا حتى إلى الاقناع بأن المنتخب الوطني لم يبذل كل الجهد للظفر بالكأس، ولكن أريد أن الفت الانتباه إلى أن المغرب الذي استثمر المليارات في البنية التحتية والملاعب المونديالية ومركز محمد السادس ليقدم نفسه كقطب استقرار ونموذج رائد للتنظيم الاحترافي المبهر، متطلعا إلى المزيد في أفق العام 2030، كان أيضا على وشك فوز باللقب في ظل شحن “خبيث” كان سيعطي الذخيرة الحية والفرصة الذهبية للحملات الإعلامية الشعواء والمنظمة التي تقودها محاور الجزائر والدوحة، والتي استهدفت النسخة المغربية من الكان حتى قبل أن تبدأ، بل وحاولت، مباشرة بعد الفوز بكأس العرب، الركوب على أحداث عرضية كفيضان أسفي لتصوير المغرب كبلد ببنية “تحتية عاجزة”، قبل أن تُبخِّر الصناعة الثقيلة المغربية تلك الحملة، لتتجه ذات الجهات إلى محاولة تصوير المغرب كقوة تنظيمية مهيمنة “تسرق” الألقاب فوق أرضها مستغلة نفوذها داخل الكاف، وتتلاعب بالتحكيم والجمهور وما إلى ذلك من تهم واهية.
في وجه كل هذا كانت لحظة إهدار إبراهيم دياز لتلك الركلة التاريخية بـ”بانينكا” فاشلة بمثابة فوز غير “بيري” على ضغط هائل أو ربما كاستجابة غير واعية أو قدرية فوتت الفرصة على كثير من مرضى النفوس والقلوب، وأنهت التوتر الذي بدا جليا في بعض الأوساط السنغالية في الأيام الأخيرة حول أزمة التذاكر والمخاوف الأمنية ورفض التدريبات وصولا إلى الضغط بالانسحاب من المباراة احتجاجا على التحكيم؛ لقد حولت بانينكا دياز الفاشلة (ولو أنه كان يقصد تسجيل الهدف) كل ذلك إلى حالة من الرضا العاطفي، والذي سيذكي الاحتفاء بروح الأخوة التي أكدتها وزارة الخارجية السنغالية في بيانها “الاستباقي” قبل مباراة النهائي.
لقد خسر المغرب كأس افريقيا وكسب وهج صناعته الثقيلة، ولم تتسبب بانينكا المبدع دياز سوى في “نجاح العملية” حتى وإن “مات المريض/الكأس”، ذلك أن تثبيت المفهوم النظري والمؤسساتي لنجاح الدولة المنظمة والصناعة الرياضية سيجلب في المستقبل عشرات الكؤوس، وفي مقدمتها كأس تحرير كرة القدم الإفريقية (كأي شيء إفريقي آخر) من سلوكيات “الصابوتاج” وعقليات المؤامرة والتمسك بدور الضحية، وهو الهدف الاستراتيجي الذي ستضمنه حماية فخر الصناعة الرياضية الوطنية التي باتت تقض مضجع الكثيرين.
إن خسارة كهذه لا تعدو كونها خسارة “نصر صغير مهما كبر”، وهي بذلك قد تحولت إلى انتصار على لغط إعلامي أسود ما كان ليتوقف حتى ينال ولو بأي شكل من الأشكال من السمعة الدولية والريادة القارية، ولكان جعل الفرصة سانحة أمام جمّ المغتاظين الذين كانوا يتربصون باللحظة لإطلاق أعمدة دخان دعائية تخفي وراءها كل المنجزات المغربية وتصور الفوز المغربي كـ”فضيحة” تلاحق ملفنا المونديالي لعام 2030، فضلا عن ارتدادات تلك الحملات على العلاقات مع الدول بقدر ما تتلقفها الجماهير بفعل الوقوع تحت تأثيرها “مزاجيا”، وبقدر ما يمكن لذلك التلقف أن يتحول إلى ملاسنات ومشاحنات ولا سمح الله إلى حواضن للتحريض على كل ما شأنه إشعال فتيل الأزمات.
سيمضي المغرب صوب المزيد من النجاحات، وها هي صناعته الرياضية تحظى بإشادة دولية واسعة، ولم يكد ينهي عرسه الكروي حتى التحق بمجلس السلام بدعوة من ترامب بصفته عضوا مؤسسا لمنظمة دولية ستصنع معالم النظام الدولي الجديد من قلب الأطلسي ومعادلاته. نجاح متواصل هو؛ بقدر اختيار المغرب أن يسجل حضوره في كل مكان متجاوزا منطق “الكرسي الفارغ”، فالعالم لا ينتبه لوجود أحدهم سواء أكان فردا أم دولة أم شركة أم أي كيان آخر إلا بمقدار ما يحرص هذا المعني على الحضور اللافت والوازن، ومن يقرر الاختفاء أو الاختباء فلن ينتبه لوجوده أحد، الأمر أشبه بجبل ناشئ عن حفرة عميقة، سينتبه إليه الآخرون مادام قادرا على أن يفرض نفسه كواقع مساعد أو معرقل لا يمكن تجاوزه، أما غير ذلك فلن تكون سوى مجرد تراب يدوسه المارة وتذروه الرياح..





