غلاء الأعلاف يهدد شعبة الحليب.. والمنتجون بين الكلفة والخسارة

حسين العياشي
تعود شعبة الحليب إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، لكن هذه المرة تحت وطأة مؤشرات مقلقة تتقاطع فيها الأرقام مع التحذيرات الميدانية. ففي الوقت الذي تتزايد فيه شكاوى الفلاحين من اختلال ميزان الكلفة والعائد، اختارت المؤسسة التشريعية أن تدخل على الخط، واضعة الحكومة أمام أسئلة دقيقة بشأن مستقبل القطيع الوطني واستدامة إنتاج مادة أساسية في الأمن الغذائي.
في هذا السياق، وجّهت النائبة البرلمانية عائشة الكوط، عن المجموعة النيابية لحزب حزب العدالة والتنمية، سؤالاً كتابياً إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، معتبرة أن سلسلة إنتاج الحليب تعيش ما يشبه “أزمة هيكلية” تتغذى من الارتفاع الحاد في أسعار الأعلاف وتداعياته المباشرة على القطيع الوطني من الأبقار الحلوب. وأشارت البرلمانية، العضو بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية، إلى أن أسعار الأعلاف، خصوصاً المركبة منها والأولية، تجاوزت أربعة دراهم للكيلوغرام، في ظل ضعف التنافسية وتداعيات اضطرابات النقل البحري، ما ضاعف الضغط على كلفة الإنتاج.
هذا الارتفاع، بحسب الكوط، لم يُقابَل بتعديل منصف في سعر بيع الحليب الذي يتقاضاه الفلاح، وهو ما خلق فجوة متسعة بين الكلفة والمردودية. فجوة تدفع عدداً متزايداً من المربين إلى إعادة توجيه نشاطهم نحو تربية السلالات اللحمية، باعتبارها أقل مخاطرة وأسرع عائداً، بدل الاستثمار في إناث الأبقار الحلوب التي تتطلب فترة انتظار قد تصل إلى سنتين قبل دخولها مرحلة الإنتاج. ومع اتساع هذا التحول، يلوح في الأفق خطر تراجع القطيع الوطني، بما قد يفضي إلى مزيد من الارتهان لاستيراد الأبقار ومنتجات الحليب، بكل ما يحمله ذلك من كلفة مالية وتقلبات مرتبطة بالأسواق الدولية.
النائبة البرلمانية طالبت الحكومة بالكشف عن التدابير المستعجلة المزمع اتخاذها للحد من ارتفاع أسعار الأعلاف المركزة، وتعزيز آليات المراقبة على الشركات الموردة، كما تساءلت عن الإجراءات التحفيزية التي ستُعتمد لدعم المربين خلال مرحلة تربية الإناث، بما يضمن تجديد القطيع واستدامته. ولم تغفل الإشارة إلى ضرورة معالجة الاختلال القائم بين كلفة الإنتاج وسعر البيع لدى المنتجين، باعتباره جوهر الأزمة ومفتاح إنقاذ القطاع.
التحذيرات البرلمانية تزامنت مع نبرة أكثر حدّة صدرت عن أوساط فلاحية، بعد اجتماع المكتب الوطني الموسع للنقابة الوطنية للفلاحين التابعة لـالاتحاد المغربي للشغل. الاجتماع خصص جانباً مهماً من نقاشه لأزمة شعبة الحليب، معتبراً أن استمرار غلاء الأعلاف، سواء العادية أو المركبة، فاقم كلفة الإنتاج بشكل غير مسبوق، خاصة بعد إطلاق برنامج الدعم المباشر في إطار إعادة تشكيل القطيع. ووفق ما جاء في مداخلات النقابة، فإن البرنامج الذي كان يُنتظر أن يشكل متنفساً للمنتجين، فتح الباب أمام مضاربات في الأسعار أضعفت القدرة الشرائية للفلاحين الصغار وأرهقت التعاونيات، ليتحول الدعم في نظر بعضهم إلى عبء إضافي بدل أن يكون رافعة للإنعاش.
كما توقفت النقابة عند ما وصفته بتزايد هيمنة بعض شركات تجميع وتسويق الحليب على حلقات السلسلة الإنتاجية، معتبرة أن اختلال ميزان القوة ينعكس سلباً على المنتج الصغير الذي يتحمل عبء الكلفة دون أن يستفيد من هوامش ربح عادلة. واستمرار هذا الوضع، بحسبها، قد يدفع عدداً من الكسابين إلى تقليص نشاطهم أو مغادرة الشعبة نهائياً، بما يعنيه ذلك من تراجع في العرض الوطني وتهديد لتوازن السوق.
النقاش لم يقف عند حدود الأعلاف والأسعار، بل امتد إلى ملف استيراد أعداد كبيرة من الأبقار الموجهة للذبح، وهو ما أثار تخوفات من انعكاسات غير محسوبة على القطيع الوطني، خاصة إذا تم ذلك على حساب دعم الأبقار الحلوب المحلية. وترى النقابة أن هذا التوجه قد يعمق هشاشة صغار المربين ويزيد من مخاطر الإفلاس، في وقت يفترض فيه تعزيز الإنتاج الداخلي وتقليص الارتهان للخارج.
وفي خضم هذه التحذيرات، جددت النقابة دعوتها إلى حماية السلالات المحلية من الأبقار والأغنام وتشجيع البحث العلمي لتطويرها، باعتبار الرصيد الجيني الوطني ركيزة أساسية للأمن الغذائي. كما شددت على ضرورة تمكين الفلاحين من قروض ميسرة لتغطية تكاليف الإنتاج وضمان استمرارية تزويد السوق الداخلية، بدل تركهم في مواجهة تقلبات الأسعار وضغوط السوق.
بين أسئلة البرلمان وصرخات الميدان، تبدو شعبة الحليب أمام مفترق طرق حاسم: إما تدخلات عاجلة تعيد التوازن إلى السلسلة الإنتاجية وتحمي القطيع الوطني، أو مسار انكماشي قد يغير ملامح القطاع ويعيد رسم خريطة الاعتماد الغذائي للمملكة.





