فيضانات آسفي تفضح فجوة الخطاب والميدان.. الحكومة غائبة وجولات “مسار الإنجازات” مستمرة

فاطمة الزهراء ايت ناصر
بعد مرور أسبوع كامل على الفيضانات التي ضربت مدينة آسفي وخلفت أضرارا جسيمة، ما تزال تساؤلات الرأي العام المحلي والوطني معلقة حول غياب أي زيارة حكومية رسمية للمنطقة، في وقت يواصل فيه رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار جولاته التواصلية عبر المدن الكبرى للترويج لما يسميه “مسار الإنجازات”.
هذا التناقض الصارخ بين خطاب تدبير الأزمات وحضور الدولة على أرض الواقع، يعيد إلى الواجهة سؤال الأولويات السياسية، ويضع مصداقية الخطاب الحكومي أمام اختبار حقيقي، خاصة حين يتعلق الأمر بمناطق تعيش تبعات كوارث طبيعية وتنتظر إشارات واضحة على التضامن والمسؤولية.
رغم تأكيد عزيز أخنوش، في أكثر من مناسبة، أن التوجيهات الملكية السامية تشكل خارطة طريق واضحة لعمل الحكومة، يرى متابعون للشأن المحلي، أن الواقع يكشف فجوة مقلقة بين هذا التأكيد والممارسة الفعلية، ففي كلمته خلال ملتقى “مسار الإنجازات” بمدينة طنجة صباح اليوم السبت، استعرض رئيس الحكومة سلسلة الأزمات التي واجهتها حكومته، من التضخم والجفاف إلى الأزمة العالمية وزلزال الحوز، مشددا على أن الحكومة اتخذت قرارات شجاعة وصمدت أمام الإكراهات.
في أكثر من محطة أزمات كبرى، بدا التعاطي الحكومي متسما بالارتباك وبطء الاستجابة، وهو ما برز بوضوح عقب زلزال الحوز، حيث انصبت الجهود الرسمية في بدايتها على الخطاب التواصلي أكثر من المعالجة الميدانية العاجلة، فرغم حجم الفاجعة، اشتكى متضررون وجمعيات مدنية من تأخر وتعقيد مساطر الاستفادة من الدعم، وغياب الوضوح في معايير التعويض، ما جعل عددا من الأسر تعيش داخل الخيم في أوضاع هشة، وحسب متابعون هذا الوضع غذى شعورا عاما بأن التدبير انطلق من المركز، دون إنصات كافٍ لخصوصيات المناطق الجبلية وصعوبات الولوج، في تناقض مع ما يروج له من جاهزية ونجاعة في إدارة الكوارث.
الصورة نفسها تكررت مع فيضانات طاطا وآسفي، حيث طغى منطق التدخل الظرفي بعد وقوع الكارثة، مقابل غياب سياسات وقائية واستباقية حقيقية، ففي طاطا، أعادت الفيضانات طرح الأسئلة ذاتها حول هشاشة البنية التحتية وغياب مشاريع الحماية من السيول، بينما في آسفي، وبعد مرور أيام على الفيضانات الأخيرة، أثار غياب زيارة حكومية رسمية استياء المتابعين، خاصة في ظل استمرار الأضرار ومعاناة الساكنة.
هذا التعاطي، الذي يكتفي بإجراءات تقنية محدودة وبلاغات رسمية، حسب متابعون فإنه يعزز الانتقادات الموجهة للحكومة بخصوص تدبير الأزمات، ويكرس الانطباع بأنها تتحرك بعد الكارثة لا قبلها، وتفضل الترويج للإنجازات في المدن الكبرى بدل الحضور الفعلي إلى المناطق المتضررة.
فبينما تحتضن المدن الكبرى لقاءات حزبية وخطابات احتفالية، تظل مناطق أخرى، مثل آسفي، خارج دائرة الاهتمام الرسمي، رغم ما تعانيه من هشاشة بنيوية واختلالات في البنية التحتية، شوارع غمرتها المياه، منازل تضررت، ومحلات أغلقت أبوابها، في ظل غياب توضيحات حول الدعم، والتعويض، وتحديد المسؤوليات.
ولا يختلف وضع آسفي كثيرا عن مناطق أخرى لا تزال ترزح تحت آثار الفيضانات، أو قرى لم تتعاف بعد من زلزال الحوز، أو أحياء عتيقة في فاس شهدت انهيارات مأساوية، مشاهد تتكرر، وأسئلة تتجدد حول السلامة، والإيواء، والعدالة المجالية، والإجراءات الاستباقية.
أي تدبير للأزمات يمكن الحديث عنه، في ظل طرق قروية مقطوعة، وأسر تواجه الهشاشة، وساكنة تعيش القلق مع كل تساقطات مطرية؟ وأي دولة اجتماعية يمكن بناؤها إذا استمرت الفجوة بين المركز والهامش، وبين الخطاب والواقع؟ أسئلة يطرحها مراقبون للشأن المحلي والوطني.
وحسب مراقبون، يراهن رئيس الحكومة على مناعة الاقتصاد ورفع حجم الاستثمارات باعتبارهما مدخلا لتمويل البرامج الاجتماعية، غير أن هذا الرهان، كما يظهر ميدانيا، لم ينعكس بما يكفي على الفئات المتضررة من الكوارث الطبيعية، ولا على المدن التي لا تحضر إلا عند وقوع الأزمات، ثم تنسى سريعا.
واعتبر مراقبون أن الاقتصاد القوي لا يقاس فقط بالمؤشرات والأرقام، بل بقدرته على حماية المواطنين في لحظات الشدة، وضمان كرامتهم حين تغرق الأحياء، أو تنهار البيوت، أو تغيب أبسط شروط السلامة، وإن تحويل تدبير الأزمات إلى عنوان لحملات تواصلية، دون معالجة الاختلالات البنيوية في السياسات الترابية والاجتماعية، لا يؤدي إلا إلى تعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.










