ما بين التأويل والوقائع.. أين تقف حقيقة ملف “ماستر لاب”؟

حسين العياشي
في لحظة امتزج فيها الخبر بالتأويل، وجد قطاع توريد المستلزمات الطبية نفسه تحت مجهر النقاش العمومي، بعدما باشر مجلس المنافسة تحركات رقابية همّت عدداً من الفاعلين، من بينهم شركة “ماستر لاب”، في سياق أثار كثيراً من التساؤلات وأطلق سيلاً من القراءات المتباينة. غير أن المعطيات المتقاطعة ترسم مساراً مختلفاً عمّا راج، وتكشف أن ما يجري يرتبط أساساً بنزاع تجاري تشكلت ملامحه تدريجياً داخل سوق تنافسية حساسة.
القضية، وفق مصادر مطلعة، لا تمت بصلة مباشرة إلى شكايات حقوقية جرى تداولها سابقاً ولا إلى مواد إعلامية استقصائية حديثة، بقدر ما تعود جذورها إلى تحوّل في خريطة تمثيل علامة طبية أمريكية كبرى داخل المغرب. فشركة كانت تتولى تمثيل هذه العلامة بشكل حصري لسنوات، دخلت في خلاف مالي مع الشركة الأم، على خلفية مستحقات قيل إنها ظلت عالقة دون تسوية، قبل أن تتخذ هذه الأخيرة قرار إنهاء التعاقد والبحث عن شريك جديد في السوق الوطنية، ليستقر اختيارها في النهاية على شركة “ماستر لاب”.
هذا التحول لم يمرّ دون ارتدادات، إذ سرعان ما تحوّل الخلاف التجاري إلى نزاع مفتوح أخذ مسارات متعددة، بدءاً بمحاولات عرض وجهات النظر عبر قنوات حقوقية وإعلامية، مروراً بشكاية عُرضت على النيابة العامة قبل أن يُتخذ قرار بحفظها، وصولاً إلى نقل الملف إلى مستوى مؤسساتي عبر اللجوء إلى مجلس المنافسة باعتباره الجهة المخولة قانوناً بالنظر في الممارسات المحتملة المنافية لقواعد السوق.
في هذا السياق، أعلن مجلس المنافسة عن قيام مصالح التحقيق والبحث التابعة له بزيارات فجائية متزامنة شملت مقرات عدد من الفاعلين في سوق توريد المستلزمات الطبية، مع حجز وثائق مهنية، وذلك في إطار تحريات أولية تروم التحقق من مدى احترام قواعد المنافسة الحرة. وهي خطوة فسّرها البعض باعتبارها مؤشراً على وجود مخالفات ثابتة، غير أن مصادر مطلعة شددت على أن هذه الإجراءات تظل ذات طبيعة تمهيدية، ولا تعني بأي حال إقراراً مسبقاً بوقوع إخلالات.
وأوضحت المصادر نفسها أن حضور عناصر أمنية خلال عمليات الولوج إلى مقرات الشركات المعنية يندرج في إطار ترتيبات إجرائية معتادة تهدف إلى ضمان تنفيذ مهام البحث في ظروف عادية ومن دون عراقيل، وليس له أي ارتباط بإدانة مسبقة أو حكم ضمني على الأطراف المعنية. فالمسار القانوني يظل رهيناً بما سيسفر عنه التحقيق التقني من معطيات ووثائق، وبالآليات التي يعتمدها المجلس لمعالجة مثل هذه الملفات، سواء عبر تسويات ودية أو عبر مساطر زجرية في حال ثبوت الإخلال بقواعد المنافسة.
في خضم هذا المناخ، اختارت شركة “ماستر لاب” التزام قدر كبير من التحفظ. ووفق مصادر قريبة من الملف، لم يصدر عنها سوى بلاغ تعريفي أكدت فيه أنها مقاولة مغربية خاصة تنشط في المجال الصحي، لاسيما في تجهيزات البيوطب والكواشف المخبرية والمستلزمات الطبية، وقد راكمت خبرة تمتد لأكثر من تسعة وعشرين عاماً وتشغّل ما يزيد عن مائتي إطار وتقني من تخصصات متعددة. كما شددت على مساهمتها في مواكبة ورش إصلاح المنظومة الصحية الوطنية، واضعة خبرتها رهن هذا المسار، مع التأكيد على التزامها الصارم بالقوانين والمساطر الجاري بها العمل.
البلاغ ذاته عبّر عن ثقة الشركة في المؤسسات الوطنية واستقلاليتها، مبرزاً أن الملف معروض حالياً أمام مجلس المنافسة بصفته مؤسسة دستورية مختصة، مع الاعتذار عن تقديم أي توضيحات إضافية ما دام البحث جارياً. كما أكدت المصادر أن ما يُتداول خارج ما يصدر رسمياً عن الشركة لا يلزمها.
وإلى حدود اللحظة، لم يصدر أي قرار نهائي عن المؤسسة المعنية، ما يعني أن الملف لا يزال في طور البحث القانوني والتقني. وبين سرديات إعلامية تتحدث عن هزة داخل القطاع، ومعطيات تشير إلى نزاع تجاري نشأ حول تمثيل علامة دولية داخل سوق شديدة التنافس، يبقى الحسم بيد مجلس المنافسة وحده. فبناءً على ما سيتوصل به من وثائق وتوضيحات، سيحدد ما إذا كانت الوقائع المعروضة عليه تندرج ضمن الممارسات الممنوعة قانوناً، أم أنها تعكس خلافاً تجارياً عادياً بين فاعلين في السوق. وحتى صدور قرار معلل، تظل جميع الأطراف مشمولة بقرينة البراءة، فيما يترقب المتابعون مآل ملف تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية بحساسية التنظيم القانوني للمنافسة.





