ملايين الدراهم لكراء السيارات.. صفقة المكتب الوطني تحت مجهر المساءلة

حسين العياشي
في زمن تُقاس فيه القرارات العمومية بميزان العجز والدعم الاستثنائي، لا تعود الصفقات مجرد معاملات إدارية، بل تتحول إلى مؤشرات على فلسفة التدبير برمتها؛ والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب يوجد اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس بسبب نقص في الموارد فحسب، بل بسبب طبيعة الاختيارات التي تُتخذ في قلب الأزمة.
في قطاع الماء، صودق على صفقة كراء طويل الأمد لـ123 مركبة بكلفة تناهز 22 مليوناً و636 ألف درهم، الهدف المعلن واضح: دعم الفرق الميدانية وتسريع التدخلات التقنية، غير أن تركيبة الأسطول تفتح باباً أبعد من مجرد اللوجستيك. فإلى جانب المركبات النفعية ووسائل التدخل، تضم الصفقة سيارات خفيفة ومركبات متعددة الاستعمالات، بعضها يُصنَّف ضمن فئة توفر مستوى عالياً من الراحة والتجهيز، يتجاوز الحد الأدنى الضروري لمهام تقنية ميدانية، هنا يتحول السؤال من “هل نحتاج سيارات؟” إلى “أي نوع من السيارات نحتاج؟ ولأي مستوى من التدبير؟”.
الأمر ذاته يتكرر في قطاع الكهرباء، ولكن بأرقام مضاعفة. صفقة بقيمة 121 مليوناً و913 ألف درهم لمدة 54 شهراً رست على شركة “Wafa lld”، التابعة لأحد فروع “التجاري وفا بنك”، رغم أن الكلفة التقديرية كانت في حدود 106 ملايين و440 ألف درهم. فارق يتجاوز 15 مليون درهم بين التقدير والنتيجة النهائية، في سياق تنافست فيه شركات تابعة لأبناك كبرى أخرى بعروض تجاوزت 125 مليون درهم. منطق المنافسة الشكلية تحقق، لكن منطق الحكامة الاستراتيجية يظل موضع مساءلة.
الأكثر حساسية أن المكتب دأب خلال السنوات الأخيرة على اللجوء إلى صفقات كراء بمبالغ ضخمة، في وقت يعيش فيه وضعاً مالياً صعباً استدعى تدخل الحكومة مراراً بضخ اعتمادات استثنائية؛ بل إن السنة الجارية مرشحة لدعم إضافي لتفادي ارتفاع أسعار الكهرباء على المواطنين. وهنا تتكثف المفارقة، مؤسسة تحتاج دعماً عمومياً لتفادي تحميل المستهلك كلفة الأزمة، تلتزم في المقابل بعقود كراء طويلة الأمد بمئات الملايين، تشمل مركبات لا يقتصر دورها على الضرورة التقنية، بل تمتد إلى مستوى من الرفاه الوظيفي يثير النقاش.
ليست القضية في توفير وسائل تنقل لفرق الصيانة أو الأطر الإدارية، فذلك جزء من استمرارية المرفق العمومي. القضية في معيار الاختيار: هل جرت مقارنة دقيقة بين كلفة الكراء الشامل وكلفة الاقتناء والتدبير الداخلي؟ هل روعي مبدأ التقشف المؤسسي في ظرفية عجز؟ وهل يعكس مستوى تجهيز بعض المركبات انسجاماً مع خطاب ترشيد النفقات الذي يُرافق طلب الدعم العمومي؟
في نهاية المطاف، لا تُختبر الحكامة في احترام دفاتر التحملات فقط، بل في الانسجام بين الخطاب والممارسة. عندما تُطلب اعتمادات لتثبيت الأسعار وحماية القدرة الشرائية، يصبح كل تفصيل في بنية الإنفاق ذا دلالة سياسية. وبين سيارات تُبرَّر بالضرورة وأخرى توحي برفاه إداري، يتحدد الفارق بين تدبير يُراعي حساسية الظرف، وتدبير يغامر بإضعاف الثقة في لحظة هي أحوج ما تكون إلى وضوح الرؤية وصلابة الاختيار.










