منشأة جاهزة منذ عام خارج الخدمة.. لماذا لم يفتح سوق الجملة الجديد بالرباط أبوابه؟

حسين العياشي

بعد أكثر من عام على إسدال الستار عن أشغال بنائه، يقف سوق الجملة الجديد بالرباط، المشيّد بمحاذاة الحي الصناعي لليوسفية، في حالة صمت ثقيل لا ينسجم مع ضخامته ولا مع الكلفة المالية التي تطلّبها. منشأة عمومية رُصد لها ما يفوق 1,2 مليار درهم، وكان يُفترض أن تعيد هيكلة تجارة الجملة بالعاصمة وتؤسس لمرحلة جديدة من التنظيم والعصرنة، غير أنها ما تزال موصدة الأبواب، وكأن الزمن توقف عند لحظة انتهاء الأشغال.

هذا الجمود أعاد الملف إلى الواجهة من جديد، عقب مراسلة رسمية وُجّهت إلى رئاسة جماعة الرباط تستفسر عن مآل المشروع، وما إذا كانت هناك عراقيل تحول دون تشغيله. النقاش لم يبقَ في حدود المراسلات الإدارية، بل انتقل إلى داخل المجلس الجماعي، حيث اعتبر عمر الحياني، المستشار عن فيدرالية اليسار، أن استمرار إغلاق السوق رغم جاهزيته التقنية يطرح إشكالاً حقيقياً في تدبير المشاريع الكبرى، ويكشف عن خلل في الانتقال من منطق الإنجاز إلى منطق التشغيل.

الحياني أوضح أنه سبق أن أثار الموضوع خلال دورة أكتوبر 2025 عبر سؤال كتابي، غير أن الجواب، وفق تصريحه، لم يكن حاسماً ولا كافياً لتبديد الغموض. غياب تفسير واضح لأسباب عدم فتح السوق عمّق من حالة الالتباس، وأبقى المشروع في دائرة الانتظار، دون جدول زمني معلن أو رؤية تواصلية تطمئن الرأي العام والمهنيين المعنيين.

وفي الجهة المقابلة، يواصل سوق الجملة الحالي بمنطقة يعقوب المنصور نشاطه في ظروف توصف بالصعبة. بنيته التحتية لم تعد تستجيب لمتطلبات تجارة عصرية، ولا لمعايير السلامة والتنظيم المفروضة على مثل هذه المرافق الحيوية. ومع ذلك، يستمر العمل داخله بشكل اعتيادي، في مفارقة لافتة: مرفق قديم يشتغل رغم اختلالاته، ومرفق جديد جاهز ينتظر الإذن بالانطلاق.

الأكثر إثارة للتساؤل أن ميزانيتي 2025 و2026 لم تتضمنا، بحسب المعطيات المتداولة، توقعات بمداخيل مرتبطة بسوق الجملة القائم، ما يُفهم منه أن المجلس كان يعوّل على افتتاح السوق الجديد مع مطلع سنة 2025. غير أن الواقع سار في اتجاه مغاير، لتبقى الحسابات المالية معلّقة على مشروع لم يدخل بعد حيّز الخدمة.

القضية، في عمقها، لا تتعلق بسوق جملة فحسب، بل بنمط تدبير يثير نقاشاً أوسع حول مصير منشآت عمومية كبرى أُنجزت بكلفة مرتفعة، ثم ظلت خارج الخدمة أو رهينة التأجيل. فالتحدي لم يعد مرتبطاً بقدرة الجماعات الترابية على تعبئة التمويلات وإطلاق الأوراش، بل بمدى نجاعتها في تحويل هذه الاستثمارات إلى مرافق حية تدرّ مداخيل وتقدم خدمات ملموسة للمهنيين والساكنة.

اليوم، يقف سوق الجملة الجديد على مفترق طرق: إما أن يلتحق بقائمة مشاريع ظلت عالقة بين الاكتمال والتشغيل، أو أن يُطوى هذا التأخير بقرار واضح يضع حداً لحالة الانتظار، ويعيد الاعتبار لمنطق الحكامة في تدبير المال العام. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقاً في فضاء العاصمة: متى تتحول البناية الجاهزة إلى مرفق نابض بالحركة، يبرر كلفته ويستعيد ثقة الرأي العام؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى