من تدبير الكارثة إلى هندسة الاستباق: فيضانات القصر الكبير تكشف عمق الرؤية الملكية لمنصات الاحتياط والتدخل الوطني

بشرى عطوشي

في سياق التحولات المناخية المتسارعة وتزايد حدة الكوارث الطبيعية، تبرز المقاربة الاستباقية التي انتهجها المغرب، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، كاختيار استراتيجي بعيد المدى في تدبير المخاطر وحماية الأمن الإنساني. فقد أعطى جلالته، خلال السنة الماضية، انطلاقة إحداث منظومة وطنية لمنصات المخزون والاحتياطات الأولية، وهو قرار لم يكن معزولًا عن السياق، بل جاء نتيجة قراءة معمقة لطبيعة التهديدات المقبلة، سواء المرتبطة بالفيضانات أو الزلازل أو موجات الجفاف أو الاضطرابات الصناعية والبيئية، بما يحول تدبير الكوارث من منطق رد الفعل إلى منطق الاستعداد المسبق.

فيضانات مدينة القصر الكبير تشكل مثالًا عمليًا ودالًا على وجاهة هذا التوجه. فالمدينة، الواقعة ضمن حوض وادي اللوكوس، تعاني تاريخيًا من هشاشة بنيوية أمام الفيضانات الموسمية، غير أن تواتر الظواهر القصوى في السنوات الأخيرة كشف محدودية التدخلات الظرفية وأبرز الحاجة إلى منظومة لوجيستية جاهزة، قادرة على التدخل السريع والمنظم. في هذا الإطار، لا يمكن قراءة الاستنفار السريع للقوات المسلحة الملكية ومختلف مصالح وزارة الداخلية بمعزل عن الرؤية الملكية الشاملة التي تعتبر الكارثة حدثًا متوقعًا يجب الاستعداد له، لا طارئًا يتم التعامل معه بوسائل مرتجلة.

منصات المخزون والاحتياطات الأولية تمثل حجر الزاوية في هذا التحول المفاهيمي، إذ تقوم على توزيع جغرافي مدروس لمراكز لوجيستية كبرى، مجهزة بمواد الإغاثة، ووسائل الإيواء، والتجهيزات الطبية، ومعدات الإنقاذ، بما يسمح بتقليص زمن التدخل وتقليل الخسائر البشرية والمادية. هذه المنصات لا تؤدي وظيفة تخزينية فقط، بل تشكل جزءًا من بنية وطنية للأمن الاستراتيجي، تُفعَّل بتنسيق مباشر مع أجهزة القرار الميداني، وعلى رأسها الولاة والعمال والوقاية المدنية، وبدعم عملياتي من القوات المسلحة الملكية.

في حالة القصر الكبير، أظهر التدخل الميداني كيف تتحول القوات المسلحة الملكية من دورها الدفاعي التقليدي إلى فاعل مركزي في حماية الساكنة في حالات الطوارئ، سواء عبر عمليات الإجلاء، أو الإنقاذ، أو الدعم اللوجستي، أو تأمين البنيات الحيوية. هذا الحضور ليس وليد الظرف، بل هو امتداد لعقيدة تدخل قائمة على الجاهزية الدائمة والتكامل مع السلطة المدنية، وهي عقيدة تعززها مشاريع مثل منصات الاحتياطات التي توفر عمقًا لوجيستيًا واستدامة في القدرة على التدخل.

كما أن استنفار مصالح وزارة الداخلية، من خلال آليات التتبع والإنذار والإخلاء والتنظيم الترابي، يعكس تطورًا في حكامة تدبير الأزمات، حيث لم يعد التركيز منصبًا فقط على احتواء الكارثة بعد وقوعها، بل على تقليص آثارها قبل أن تتحول إلى أزمة إنسانية واسعة. هذا التكامل بين القرار السياسي الاستراتيجي، والتخطيط اللوجيستي، والتنفيذ الميداني، يمنح النموذج المغربي خصوصيته ويجعله أقرب إلى النماذج المعتمدة في الدول ذات التجربة الطويلة في إدارة المخاطر الكبرى.

إن العلاقة بين فيضانات القصر الكبير ومنصات المخزون ليست علاقة ظرفية، بل علاقة بنيوية تكشف أن ما شهده المغرب من كوارث في السنوات الأخيرة لم يُقابل فقط بإجراءات آنية، بل تُرجم إلى سياسات عمومية ذات بعد استباقي. فالكارثة في هذا التصور ليست نهاية المسار، بل نقطة انطلاق لإعادة بناء منظومة أكثر صلابة وقدرة على الصمود.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار إحداث منصات المخزون والاحتياطات الأولية تجسيدًا عمليًا لرؤية ملكية تعتبر حماية المواطن جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن الشامل، وتضع الاستعداد للمخاطر في صلب السيادة الوطنية.

بهذا المعنى، لا تشكل فيضانات القصر الكبير مجرد حادث طبيعي عابر، بل اختبارًا واقعيًا لسياسة استباقية آخذة في التشكل، تؤكد أن المغرب يتجه نحو ترسيخ نموذج مؤسساتي يجعل من الجاهزية والتنسيق والاحتياط أدوات مركزية في مواجهة كوارث المستقبل، بدل الاكتفاء بتدبير نتائجها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى