وعود الاستثمار تحت قبة البرلمان وواقع المقاولات الصغرى خارج الحسابات

فاطمة الزهراء ايت ناصر

في مقابل الأرقام الوردية التي قدّمها كريم زيدان، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والالتقائية وتقييم السياسات العمومية، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، يطرح واقع المقاولات الصغرى جدا والمتوسطة في المغرب أسئلة محرجة حول الفجوة بين الخطاب الرسمي والمعيش الاقتصادي اليومي.

الوزير أكد أن الحكومة تشتغل بكل تفان على تنزيل التوجيهات الملكية الداعمة للاستثمار وخلق فرص الشغل، مستندا إلى حصيلة رقمية تتحدث عن 250 مشروعا استثماريا بقيمة 414 مليار درهم، وعن دينامية غير مسبوقة تقودها آليات الدعم العام والدعم الموجه.

غير أن هذه الأرقام، رغم ضخامتها، لا تعكس بالضرورة وضعية النسيج الحقيقي للاقتصاد الوطني، الذي تشكل فيه المقاولات الصغرى جدا والمتوسطة العمود الفقري من حيث العدد والتشغيل.

فعلى أرض الواقع، ما تزال آلاف المقاولات الصغرى والمتوسطة تعاني من صعوبات خانقة، في مقدمتها الولوج المعقد إلى التمويل، وارتفاع كلفة القروض، وتشدد البنوك في منح الاعتمادات، رغم كل برامج الضمان والدعم المعلنة.

وحسب متابعون، تشتكي هذه المقاولات من ثقل المساطر الإدارية، وبطء معالجة الملفات، وتعدد المتدخلين، ما يحول الدعم في كثير من الأحيان إلى مسار مرهق لا طاقة لها بتحمله.

أما الحديث عن إطلاق 89 مشروعا استثماريا لفائدة المقاولات الصغرى جدا والمتوسطة بقيمة 1,28 مليار درهم وخلق نحو 5 آلاف منصب شغل، فيبقى، بحسب مهنيين، محدود الأثر إذا ما قورن بعدد المقاولات المتعثرة أو التي أغلقت أبوابها خلال السنوات الأخيرة، تحت ضغط التضخم، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع القدرة الشرائية، وتأخر الأداءات، خاصة من طرف بعض المؤسسات العمومية والجماعات الترابية.

كما يلاحظ فاعلون اقتصاديون أن جزءا كبيرا من الاستثمارات المصادق عليها يظل متركزا في قطاعات ومجالات كبرى، تستفيد منها شركات ذات قدرات مالية وتنظيمية عالية، بينما تبقى المقاولات الصغرى جدا والمتوسطة خارج دائرة الاستفادة الفعلية، أو في أحسن الأحوال في هامشها.

وعليه، فإن الإشكال لا يكمن فقط في الإعلان عن أرقام ضخمة أو مشاريع استراتيجية، بل في مدى انعكاس هذه السياسات على المقاول الصغير والمتوسط، الذي يواجه يوميا مخاطر الإفلاس، ويكافح من أجل البقاء في سوق غير متكافئة.

فبدون إصلاح عميق لمنظومة التمويل، وتبسيط حقيقي للمساطر، وضمان آجال أداء معقولة، وربط الدعم بالمواكبة الميدانية الفعلية، سيظل خطاب الدينامية غير المسبوقة بعيدا عن واقع مقاولات تشكل صمام الأمان الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى