وعود بلا أثر.. حموني يكشف أعطاب سياسة الحكومة في الاقتصاد التضامني

حسين العياشي

وجّه رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، انتقادات لاذعة لأداء الحكومة في ما يخص الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، معتبراً أن هذا القطاع، رغم وزنه الاجتماعي والمجالي، ظل في ذيل سلم الأولويات العمومية، في تناقض صارخ مع الخطابات الرسمية والالتزامات المعلنة في أكثر من وثيقة مرجعية.

وأوضح حموني أن الإشكال لا يكمن في غياب التصورات أو نقص المرجعيات، بل في غياب الإرادة السياسية لتنزيل ما هو متوافق عليه وطنياً. فالتوجيهات الملكية، وتقارير المؤسسات الدستورية، ومخرجات النموذج التنموي الجديد، والبرنامج الحكومي نفسه، كلها تضع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في قلب الرهان التنموي، باعتباره رافعة للإدماج الاقتصادي وتقليص الفوارق المجالية ومحاربة الهشاشة، غير أن هذه المرجعيات، بحسب تعبيره، بقيت حبيسة الوثائق دون ترجمة عملية على مستوى السياسات العمومية.

واستحضر في هذا السياق رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الصادر سنة 2015، الذي صنّف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كرافعة وطنية للتنمية المتوازنة والتشغيل والمساواة والإنصاف الترابي، ودعا إلى اعتماد إطار قانوني واضح، وإحداث هيئة وطنية موحدة، وتطوير تنافسية القطاع، غير أن الحكومة، يضيف حموني، لم تتعامل مع هذه التوصيات بالجدية المطلوبة، ولم تُفعِّل مضامينها رغم مرور سنوات على صدورها.

كما انتقد تجاهل الحكومة لمضامين النموذج التنموي الجديد الذي اعتبر الاقتصاد الاجتماعي خياراً استراتيجياً ودعامة ثالثة للتنمية إلى جانب القطاعين العام والخاص، ودعا إلى الانتقال من أنشطة معيشية ضعيفة القيمة المضافة إلى قطاع اقتصادي قائم الذات، عبر قانون إطار وآليات للتمويل والمواكبة وتفويض بعض الخدمات العمومية لفاعلين اجتماعيين، وتشجيع المقاولة الاجتماعية. ورغم وضوح هذا التوجه، يرى حموني أن الحكومة لم تُقدِم على أي إصلاح هيكلي يعكس هذا الاختيار، بل واصلت التعامل مع القطاع بمنطق ثانوي وهامشي.

ولم يسلم البرنامج الحكومي بدوره من الانتقاد، إذ ذكّر حموني بالتزامات صريحة تضمنها، من قبيل رفع مساهمة الاقتصاد الاجتماعي في خلق فرص الشغل، وتحسين دخل الأسر، وتوسيع قاعدة الأجراء داخل التعاونيات، وتعزيز مساهمة القطاع في الناتج الداخلي الخام، إلى جانب دعم التعاونيات النسائية بالعالم القروي. غير أن الحصيلة، حسب المتحدث، جاءت مخيبة، وتعكس فجوة كبيرة بين التعهدات والإنجازات.

واستند حموني إلى أرقام اعتبرها دالة على ضعف الأداء، مشيراً إلى أن مساهمة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في الناتج الداخلي الخام لا تتجاوز 3 في المائة، مقابل نسب تتراوح بين 6 و10 في المائة في تجارب مقارنة، وأن نحو 5 في المائة فقط من الساكنة النشيطة تشتغل في هذا القطاع. كما لفت إلى وجود عشرات الآلاف من التعاونيات ومئات الآلاف من المنخرطين وآلاف الجمعيات والتعاضديات التي تشتغل، في الغالب، دون مواكبة حقيقية أو تمويل كافٍ أو دعم فعال في تسويق المنتجات، ما يجعل استمراريتها رهينة بمجهودات ذاتية محدودة.

وفي ما يخص إدماج النساء، اعتبر حموني أن الحكومة أخفقت في الوفاء بالتزاماتها، بعدما تراجعت نسبة النشاط الاقتصادي للنساء بدل أن ترتفع كما وُعِدَ به، وهو ما يعكس، في نظره، غياب رؤية مندمجة لتمكين النساء اقتصادياً، خصوصاً في الوسط القروي والمناطق الهشة التي يشكل فيها الاقتصاد الاجتماعي مدخلاً أساسياً للإدماج.

كما وجّه انتقادات حادة لميثاق الاستثمار، معتبراً أنه صُمم لخدمة الشركات الكبرى دون أن يمنح مكانة حقيقية للتعاونيات والتعاضديات والمقاولات الاجتماعية، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، انحيازاً واضحاً لاختيارات رأسمالية تفتقر إلى البعد الاجتماعي والمجالي.

وعلى المستوى المؤسساتي، اعتبر حموني أن الهندسة الحكومية كشفت منذ البداية عن غياب الاهتمام الجدي بهذا القطاع، من خلال إلحاقه بقطاعات لا تعكس طبيعته الاستراتيجية، ثم الاكتفاء لاحقاً بإحداث كتابة دولة دون تمكينها من الأدوات القانونية والمالية الضرورية. ورغم إشادته بالمجهود الشخصي لكاتب الدولة المكلف بالقطاع، شدد على أن الدينامية الفردية لا يمكن أن تعوض غياب سياسة عمومية متكاملة وإرادة حكومية جماعية.

وخلص حموني إلى أن استمرار التعامل مع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بمنطق الهامش سيُبقي فرص التنمية الشاملة محدودة، وسيعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية، داعياً إلى الانتقال من منطق الخطاب إلى منطق القرار، ومن الوعود إلى السياسات الملموسة، إذا كانت الحكومة فعلاً تعتبر هذا القطاع رافعة للتنمية وليس مجرد عنوان للاستهلاك السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى