أحزاب المعارضة في غرفة الإنعاش.. هل تأتي الحركة التصحيحية بالصدمة الكهربائية؟

حسين العياشي
في السياسة، المعارضة ليست رقمًا داخل معادلة برلمانية، بل وظيفة إنقاذ حين يختل التوازن. غير أن المشهد الحزبي اليوم يوحي بأن هذه الوظيفة نفسها وُضعت في غرفة الإنعاش. أحزاب يفترض أنها تُجسد البديل تبدو منشغلة بإدارة أعطابها الداخلية أكثر من انشغالها بصياغة أفق سياسي قادر على منافسة الأغلبية. الزمن الانتخابي يقترب، لكن النبض لا يزال خافتًا، والأسئلة أكبر من الأجوبة.
في مقابل دينامية تنظيمية تتشكل داخل بعض أحزاب الأغلبية، التي تشتغل مبكرًا على إعادة الانتشار وتحصين مواقعها الانتخابية، تتحرك المعارضة بإيقاع بطيء، كأنها لم تحسم بعد هل تريد أن تخوض معركة استعادة المبادرة أم أن تكتفي بدور المعلّق على قرارات غيرها. النقد حاضر في خطاباتها، لكنه يفتقد أحيانًا إلى الجرأة، والاعتراض قائم، لكنه لا يتحول دائمًا إلى مشروع بديل متكامل.
اليسار الاشتراكي، الذي طالما قدّم نفسه حاملًا لقيم العدالة الاجتماعية ومواجهة اختلالات السوق، لا يزال عاجزًا عن تجاوز انقساماته التاريخية. تتشابه المرجعيات وتتكرر المفردات، لكن الجبهة الموحدة القادرة على خلق ميزان قوى فعلي داخل المؤسسات تبقى مؤجلة. الحساسيات التنظيمية تسبق ضرورات المرحلة، والتنسيق الاستراتيجي يظل رهين حسابات شخصية ضيقة، في وقت يبحث فيه جزء واسع من المجتمع عن قوة سياسية قادرة على ترجمة المطالب الاجتماعية إلى برامج قابلة للتنفيذ.
أما حزب العدالة والتنمية، فصدمته الانتخابية في 2021 لم تتحول بعد إلى ورشة مراجعة شاملة. كان السقوط من الصدارة إلى الهامش لحظة تستدعي إعادة بناء عميقة، تُجدد القيادة والخطاب وتعيد تعريف المشروع السياسي في سياق متغير. غير أن استدعاء رمزية الماضي، عبر العودة إلى القيادة نفسها، أعطى انطباعًا بأن الحزب يفضل الاحتماء بتاريخ قريب بدل المغامرة برهان التجديد. غير أن الناخب لم يعد هو نفسه؛ فجيل اليوم أقل انجذابًا للبلاغة وأكثر مطالبة بالنتائج، وأشد حساسية لمؤشرات النجاعة والوضوح.
المفارقة أن هذا المسار يستعيد ملامح تجربة عاشها الاتحاد الاشتراكي حين وجد نفسه عالقًا بين رصيده التاريخي ومتطلبات التموضع داخل السلطة. التمسك بالوجوه ذاتها وتأجيل التداول الداخلي أضعفا جاذبيته تدريجيًا. واليوم، يقف العدالة والتنمية أمام مفترق مشابه، إما أن يفتح الباب أمام تحول داخلي عميق، أو أن يظل أسير دورة سياسية لم يعد يتحكم في إيقاعها.
وفي الضفة الأخرى، لا يبدو أن حزب الحركة الشعبية مستعدًا بدوره لمغادرة منطق الاستقرار التقليدي. صحيح أن صعود قيادة جديدة أثار توقعات بإعادة التموضع، لكن البنية الانتخابية القائمة على الأعيان ما تزال أقوى من خطاب التجديد. الرهان على الخزان نفسه، والتمدد المحدود جغرافيًا، يعكسان نمط اشتغال لم يتكيف بعد مع تحولات سلوك الناخبين، الذين باتوا أقل ارتباطًا بالولاءات التقليدية وأكثر مطالبة ببرامج ملموسة واستجابات سريعة.
في العمق، الأزمة ليست أزمة أسماء بقدر ما هي أزمة دينامية. المعارضة، في مجملها، لم تُنتج بعد سردية سياسية بديلة متماسكة تُقنع المجتمع بأنها قادرة على إدارة المرحلة المقبلة بمنطق مختلف. الأزمات الاقتصادية، وارتفاع كلفة المعيشة، وتآكل الثقة في الوسائط التقليدية، كلها عوامل ترفع سقف الانتظارات. لكن الخطاب المعارض لم ينجح بعد في التحول من رد فعل إلى تصور شامل يعيد تعريف العلاقة بين السياسة والمجتمع.
من هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تحتاج المعارضة إلى “صدمة كهربائية” داخلية تعيد تشغيل أجهزتها التنظيمية وتضخ دماء جديدة في شرايينها؟ هل تملك الشجاعة لاحتضان حركات تصحيحية حقيقية، تُراجع القيادات، وتُعيد ترتيب الأولويات، وتفتح المجال أمام جيل جديد يتقن لغة اللحظة ويستوعب تحولات المجال العمومي الرقمي؟ أم أن الخشية من كلفة التغيير ستُبقي الوضع على ما هو عليه، إلى أن يأتي التصحيح من خارج البنية الحزبية نفسها؟
مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يبدو أن الزمن لا يعمل لصالح المترددين. فإما أن تُبادر الأحزاب إلى إطلاق عملية إنعاش ذاتي تعيد الثقة وتؤسس لبديل مقنع، وإما أن يتحول الفراغ إلى فرصة لقوى جديدة، قد تنشأ من داخلها أو من خارجها، لتقلب موازين المشهد. السؤال لم يعد ما إذا كانت المعارضة تحتاج إلى إصلاح، بل ما إذا كانت قادرة على تحمّل كلفة هذا الإصلاح قبل أن تفرضه عليها صناديق الاقتراع..





