أخنوش مستثمرًا وحَكَمًا: أسئلة تضارب المصالح في ورش الهيدروجين الأخضر

حسين العياشي

في الوقت الذي تُسوَّق فيه مبادرة “عرض المغرب” للهيدروجين الأخضر باعتبارها رهانًا سياديًا يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقلال الطاقي، تكشف المعطيات المحيطة بإطلاق هذا الورش الاستراتيجي عن طبقات أعمق تستدعي قراءة أكثر تدقيقًا وحذرًا. فاللقاء الذي احتضنته الرباط، تحت إشراف رئيس الحكومة عزيز أخنوش، والذي تُوِّج بتوقيع عقود أولية لحجز العقار لفائدة خمسة مشاريع كبرى، لم يكن مجرد محطة تقنية ضمن مسار الانتقال الطاقي، بقدر ما أعاد إلى الواجهة سؤالًا مؤجلًا حول تداخل القرار السياسي مع النفوذ الاقتصادي في القطاعات الحيوية.

يبرز هذا السؤال بقوة حين يتعلق الأمر بعزيز أخنوش نفسه، الذي لم يكتف بالإشراف الحكومي على هذا الورش الطموح والترويج لجاذبية المغرب في سوق الهيدروجين الأخضر، بل يُعد في الآن ذاته من أوائل وأكبر الفاعلين الاقتصاديين الذين تموقعوا داخل هذا المجال. هذا التداخل بين صفة رئيس الحكومة وموقع المستثمر المباشر في قطاعات ترسم ملامح السيادة الطاقية للمملكة يفتح بابًا واسعًا أمام تساؤلات مشروعة حول حدود الفصل بين السلطة والمال.

وتزداد حدة هذه التساؤلات حين يُقرأ هذا المسار في ضوء شراكات اقتصادية باتت تتكرر ملامحها في أكثر من قطاع استراتيجي. فكما حدث في مجال المحروقات وتحلية المياه، تتشكل اليوم ملامح تقاطع جديد بين عزيز أخنوش وعثمان بنجلون، يتجه تدريجيًا نحو توسيع النفوذ داخل المشاريع المفتوحة، خصوصًا في الأقاليم الجنوبية. هذا التوسع، وإن قُدِّم في إطار دينامية الاستثمار وجاذبية السوق، يثير مخاوف حقيقية من عودة منطق التركيز والاحتكار في مجالات لا تحتمل منطق الهيمنة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالأمن الطاقي والاقتصادي للبلاد.

في هذا السياق، يلفت الانتباه الدور المتنامي لشركة “GOA”، التابعة لمجموعتي “Akwa” و“O Capital”، والتي باشرت خلال السنوات الأخيرة، عبر فرعها بالداخلة، عملية إعادة هيكلة لحوكمتها الداخلية. خطوة لم تكن تقنية بحتة، بل عززت السيطرة الإدارية والتشغيلية على مشاريع استراتيجية في الجنوب، وكشفت أن الأمر يتجاوز شراكة صناعية عابرة، ليصل إلى تموقع مدروس لفاعلين يجمعون بين النفوذ الاقتصادي والحضور السياسي، ويستعدون للقبض على مفاتيح قطاعات ستحدد ملامح المستقبل الطاقي للمغرب.

ولا يتوقف هذا المسار عند حدود العمل المشترك بين الطرفين، إذ توسعت استثمارات كل واحد منهما، بشكل متوازٍ أو مستقل، في مجالات الطاقة المتجددة والبنيات التحتية الكبرى. من محطات تحلية المياه، إلى مشاريع الطاقة الشمسية الضخمة بمراكش ونور ميدلت، وصولًا إلى مبادرات الهيدروجين الأخضر، تتشكل تدريجيًا خريطة اقتصاد مُركَّز، تتحكم فيه نخبة محدودة في قطاعات تمثل العمود الفقري للسيادة الطاقية والاقتصادية للمملكة.

أمام هذا الواقع، يطفو على السطح سؤال جوهري يتعلق بالتوازن بين السياسات العمومية والمصالح الخاصة، وبقدرة الدولة على إرساء الضمانات الكفيلة بمنع تضارب المصالح في قطاعات يفترض أن تُدار بمنطق المصلحة العامة لا بمنطق الربح السريع. فحين تُوضع مفاتيح المستقبل الطاقي في يد عدد محدود من الفاعلين الأثرياء، يتحول الرهان من بناء سيادة طاقية وطنية إلى إدارة نفوذ اقتصادي عابر للحكومات والبرامج.

من هنا، لا ينطلق النقاش من مناهضة الاستثمار الخاص أو التقليل من أهمية الشراكات الكبرى، بل من طرح سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن للمغرب أن يشجع الاستثمار في القطاعات الحيوية، وفي الوقت نفسه يضمن ألا تتحول هذه القطاعات إلى مجالات مغلقة تحت سيطرة نخبة ضيقة؟ فالمستقبل الطاقي للمملكة، بما يحمله من رهانات سيادية وتنموية، لا يمكن اختزاله في توازنات المصالح الخاصة، بل يحتاج إلى رقابة مؤسساتية صارمة ونقاش عمومي شفاف، يضمن أن الانتقال الطاقي ليس مجرد شعار سياسي، بل مسار فعلي يخدم مصالح جميع المواطنات والمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى