أرقام مرعبة عن الانتحار بالمغرب.. القاسمي يحذر من تنامي الظاهرة ويكشف أسبابها العميقة

حسين العياشي
تتربع منطقة طنجة-تطوان-الحسيمة على رأس المناطق التي شهدت أعلى معدلات الانتحار في المغرب خلال عام 2024، وفقًا للبيانات المتاحة. فقد أظهرت الإحصائيات أن عدد حالات الانتحار في المملكة بلغ حوالي 2650 حالة في العام الماضي، حسب تقرير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH)، مما وضع المغرب في المرتبة 96 عالميًا. مع تزايد هذه الأرقام بشكل مقلق، أشار الأخصائي والمعالج النفساني، سعيد القاسمي، إلى أن ظاهرة الانتحار في المغرب ليست مجرد قضية فردية أو اجتماعية فحسب، بل هي ظاهرة نفسية معقدة تتطلب تدخلًا شاملًا من مختلف الأطراف المعنية.
في حديث خاص لموقع “إعلام تيفي”، أبرز القاسمي أن غياب الوعي الكافي بالاضطرابات النفسية يعد من أبرز الأسباب التي تقف وراء ارتفاع معدلات الانتحار. إذ أن العديد من الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب لا يحصلون على التشخيص الصحيح أو العلاج المناسب. ونتيجة لهذا الإغفال، يستمر هؤلاء الأشخاص في معاناتهم في صمت، مما يزيد من تفاقم وضعهم النفسي ويجعلهم أكثر عرضة للتفكير في الانتحار.
إضافة إلى ذلك، يشير القاسمي إلى أن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية تلعب دورًا محوريًا في تفاقم هذه الظاهرة. فالكثير من المواطنين يواجهون ضغوطًا مالية واجتماعية شديدة، مما يدفع البعض منهم إلى التفكير في الانتحار كحل للهروب من الواقع الصعب الذي يعيشونه. هذه الضغوط تزيد من العبء النفسي على الأفراد، حيث يتحول التفكير في الانتحار إلى وسيلة للخلاص من الألم والمعاناة.
ومن جهة أخرى، يلفت القاسمي إلى أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعلاج النفسي تشكل حاجزًا آخر أمام العديد من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم النفسي. إذ أن الخوف من الحكم عليهم أو من اعتبارهم ضعفاء نفسيًا يمنعهم من طلب المساعدة. هذا التردد في التوجه للعلاج النفسي يزيد من عزلتهم ويعمق معاناتهم، مما يساهم في تفاقم الأزمة النفسية التي يمرون بها.
فيما يتعلق بالعوامل الاجتماعية، يؤكد القاسمي أن ضعف الروابط الأسرية والاجتماعية في المجتمع المغربي يعد من أبرز الأسباب التي تساهم في زيادة معدلات الانتحار. مع التغيرات الاجتماعية الكبيرة التي يشهدها المغرب، يعاني العديد من الأفراد من العزلة سواء بسبب التباعد الاجتماعي أو تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي التي تخلق بيئة من الانغلاق الاجتماعي. في ظل هذا الوضع، يصبح الفرد أكثر عرضة للشعور بالوحدة والفراغ العاطفي، مما يؤدي إلى زيادة مشاعر اليأس والإحباط التي قد تدفع البعض إلى التفكير في الانتحار كسبيل للهروب من هذه المشاعر.
أما عن وضع الخدمات النفسية في المغرب، فقد أشار القاسمي إلى النقص الحاد في هذه الخدمات، لا سيما في المناطق النائية. فالكثير من المواطنين في هذه المناطق يجدون صعوبة في الوصول إلى العلاج النفسي المتخصص سواء في المستشفيات أو المراكز الصحية أو حتى في المدارس. وفي بعض الأحيان، يضطر الأفراد إلى اللجوء إلى “الخدمات النفسية المزورة”، حيث يتعاملون مع دجالين أو مدربين غير متخصصين، مما يزيد من تعقيد الوضع ويؤدي إلى تفاقم الأعراض النفسية بدلاً من معالجتها. إن غياب العيادات النفسية المتخصصة في الأماكن العامة يجعل من الصعب على الكثير من الأشخاص الحصول على الدعم النفسي الذي يحتاجونه.
في الختام، يرى الأخصائي والمعالج النفساني، سعيد القاسمي، أن الانتحار لا يعد قرارًا فرديًا بقدر ما هو نتيجة لتراكم مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تؤدي إلى حالة من الضياع والتشوش لدى الأفراد. لذا، فإن من الضروري تعزيز الوعي الاجتماعي بأهمية العلاج النفسي وتوفير خدمات الدعم النفسي بشكل شامل. يجب أن تكون هذه الخدمات متاحة للجميع، سواء في المؤسسات العامة أو الخاصة، وذلك لضمان توفير بيئة داعمة تساعد الأفراد في التغلب على مشكلاتهم النفسية والاجتماعية. إن التدخل الجاد والشامل يبقى السبيل الأمثل لمكافحة هذه الظاهرة والحد من تداعياتها السلبية على المجتمع المغربي.










