أن تكون إفريقيا… حين لا يعود الانتماء سؤالًا بل تجربة

 

سعيد كان

دعوني أحدثكم بصراحة.
ليس من السهل اليوم أن تتابع ما يُكتب ويُتداول عن المغرب، وعن علاقته بإفريقيا، دون أن تشعر بشيء من الاستغراب، وأحيانًا بشيء من الألم، وأحيانًا أخرى بشيء من القلق الحقيقي على ما آلت إليه طريقة حديثنا عن الهوية والانتماء.

فجأة، لم يعد النقاش يدور حول التعاون، أو التكامل، أو المستقبل المشترك، بل أصبح يدور حول من يملك حق الانتماء، ومن يُشكّك في انتمائه، ومن يُتهم، ومن يُبرّأ.
وفجأة، صرنا نرى حملات – بعضها غامض المصدر- تحاول أن تضع المغاربة في قفص الاتهام الأخلاقي، تحت عناوين كبيرة مثل “العنصرية” أو “الاستعلاء” أو “عدم الانتماء الحقيقي لإفريقيا”.

وأنا هنا لا أكتب دفاعًا أعمى، ولا تبريرًا ساذجًا، ولا إنكارًا لوجود اختلالات أو سلوكيات فردية هنا أو هناك.
أكتب لأنني أشعر أن السؤال انزلق عن مساره الطبيعي.
لم يعد السؤال: كيف نبني إفريقيا أقوى؟
بل أصبح: من هو الإفريقي الحقيقي؟ ومن هو الإفريقي المشكوك فيه؟

وهنا، دعوني أطرح عليكم سؤالًا أبسط وأعمق في آن واحد:
ماذا يعني أصلًا أن تكون إفريقيا؟

إفريقيا ليست بطاقة هوية… بل تجربة تاريخية وإنسانية

إفريقيا، في نظري، ليست مجرد قارة نُحدّدها على الخريطة، ولا لون بشرة، ولا لهجة، ولا ملامح جسدية، ولا حتى سردية واحدة.
إفريقيا هي تجربة.
تجربة استعمار.
تجربة مقاومة.
تجربة بناء دول من رماد السيطرة الأجنبية.
تجربة صراع دائم بين ما نريده لأنفسنا، وما يُراد لنا من الخارج.

أن تكون إفريقيا يعني أنك تنتمي، بدرجة أو بأخرى، إلى هذا التاريخ المثقل، وإلى هذا الأمل المتجدد، وإلى هذه الأسئلة المفتوحة حول التنمية، والكرامة، والعدالة، والسيادة.

بهذا المعنى، إفريقيا ليست قالبًا جاهزًا.
هي فضاء واسع للاختلاف داخل مصير مشترك.

المغرب وإفريقيا: علاقة ممارسة قبل أن تكون خطابًا

حين يُطرح اليوم سؤال انتماء المغرب لإفريقيا، أشعر أحيانًا أن النقاش يُختزل في الشعارات، ويُفصل عن الواقع.

المغرب لم يكتشف إفريقيا في خطاب رسمي، ولم “يعد” إليها فقط بقرار دبلوماسي.
العلاقة كانت دائمًا موجودة، حتى حين لم تكن في العناوين الكبرى:
في التجارة عبر الصحراء.
في الروابط الدينية والروحية.
في حركة العلماء والطلبة.
في الهجرات المتبادلة.
في التداخل البشري الذي لا تُظهره الخرائط السياسية الحديثة.

واليوم، هذه العلاقة تأخذ أشكالًا جديدة:
استثمار.
تعاون اقتصادي.
شراكات بنكية وطاقية وفلاحية.
مشاريع بنية تحتية.
تبادل خبرات.

هذه ليست مجرد دعاية.
هي ممارسة.
والممارسة، في العلاقات بين الدول والشعوب، أهم من الخطاب.

حين تتحول الهوية إلى سلاح

ما يقلقني حقًا ليس مجرد الانتقادات، فالنقد صحي، وضروري.
ما يقلقني هو حين تتحول الهوية نفسها إلى أداة صراع، وحين تُستعمل مفاهيم أخلاقية كبيرة — مثل العنصرية — كسلاح سياسي وإعلامي، دون تمييز، ودون تعقيد، ودون إنصاف.

لأن النتيجة لا تكون فقط تشويه صورة دولة أو شعب.
النتيجة الأخطر هي تشويه فكرة إفريقيا نفسها.
تحويلها من فضاء جامع إلى فضاء إقصائي.
من حلم مشترك إلى محكمة هوية.

وهنا، علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا:
العنصرية ليست حكرًا على شعب دون آخر.
هي مرض إنساني، يظهر بأشكال مختلفة، في مجتمعات مختلفة، بدرجات متفاوتة.

هل توجد سلوكيات عنصرية في المغرب؟
نعم، كما توجد في بلدان إفريقية أخرى، وفي أوروبا، وفي أمريكا، وفي آسيا.
هل هذا يجعل شعبًا كاملًا عنصريًا؟
قطعًا لا.

التعميم هنا ليس فقط ظالمًا.
هو كسل فكري.
وهو أيضًا تضليل أخلاقي.

أن تكون إفريقيا… يعني أن تتحمل تعقيدها

أن تكون إفريقيا لا يعني أن تكون مثاليًا.
يعني أن تكون معقدًا.
أن تحمل تناقضاتك.
أن تعترف بجراحك.
أن تواجه اختلالاتك بدل أن تُسقِطها على الآخرين.

أن تكون إفريقيا يعني:
أن تختلف لغويًا دون أن تُتَّهَم.
أن تختلف ثقافيًا دون أن تُقصى.
أن تختلف سياسيًا دون أن تُجرَّد من الجغرافيا الرمزية للقارة.

إفريقيا لا تُبنى بالتشابه.
تُبنى بالاعتراف المتبادل.

لماذا يؤلمني هذا النقاش؟

لأنه، في العمق، لا يمس فقط صورة المغرب.
يمس فكرة إفريقيا التي نريد.

هل نريد إفريقيا كفضاء تعاون؟
أم كفضاء تصنيف أخلاقي؟
هل نريد إفريقيا كأفق للمستقبل؟
أم كسجل حسابات للماضي؟

حين أرى إفريقيا تُختزل في لون، أو في خطاب، أو في اختبار انتماء، أشعر أننا نعيد إنتاج نفس المنطق الإقصائي الذي عانت منه القارة طويلًا، ولكن هذه المرة بأيدينا.

أن تكون إفريقيا… يعني أن تختار البناء

دعوني أقولها ببساطة، وبشيء من الصراحة الوجدانية:

المغرب لا يحتاج إلى إثبات إفريقيته بالشعارات.
كما أن باقي الدول الإفريقية لا تحتاج إلى احتكار تعريف إفريقيا.

ما نحتاجه جميعًا هو:
خطاب أقل انفعالًا، وأكثر عمقًا.
نقاش أقل تخوينًا، وأكثر إنصافًا.
وعي بأن إفريقيا لن تُبنى بالتصنيفات، بل بالشراكات.

أن تكون إفريقيا…
يعني أن تختار البناء بدل الإقصاء.
أن تختار التعقيد بدل التبسيط.
أن تختار الإنسان بدل الصورة النمطية.

والسؤال الحقيقي، الذي يجب أن يقلقنا جميعًا، ليس:
هل هذا البلد إفريقي بما يكفي؟
بل: هل ما زلنا نؤمن بإفريقيا كمشروع مشترك، أم حولناها إلى ساحة لتصفية الحسابات؟

حين يفشل الإعلام… تتكفل الصور النمطية بالباقي

ولكي أكون أكثر وضوحًا، وربما أكثر ذاتية هنا، لأنني لا أكتب من موقع المراقب البعيد فقط، بل من موقع من اشتغل داخل هذا المجال، واحتكّ، وسافر، وتحدث، واستمع.

جزء كبير من سوء الفهم المتبادل بين المغرب وعمقه الإفريقي، لا يعود فقط إلى السياسة أو الصراعات الإقليمية، بل إلى ضعفنا الجماعي في سرد قصتنا.
إلى إعلام متردد، أحيانًا كسول، وأحيانًا أسير لغته وحدوده.

خلال تجاربي المهنية، وفي احتكاكي بمثقفين وصحفيين وفاعلين في عمق القارة الإفريقية، كنت أُفاجأ أحيانًا بحجم الصور الناقصة، أو المشوّهة، أو السطحية عن المغرب.
ليس عداءً صريحًا، بل غياب معرفة.
فراغ تُملؤه الشائعات، أو السرديات الجاهزة، أو ما يصل عبر وسطاء لا يعرفوننا حقًا.

وفي المقابل، وأنا أعود إلى المغرب، أكتشف شيئًا لا يقل إزعاجًا:
سوء فهم عميق لإفريقيا داخل مجتمعنا نحن أيضًا.
إفريقيا تُختزل في الفقر، أو الهجرة، أو الأزمات، أو في صورة إنسانية واحدة مسطحة، وكأن القارة بلا فكر، ولا إبداع، ولا تعقيد، ولا حداثة.

وهنا، لا يمكننا أن نُحمّل المسؤولية للآخر وحده.

حواجز اللغة… حين نتحدث ولا نُفهم

واحدة من أكبر المعضلات التي لم نواجهها بجدية هي اللغة.
نحن نتحدث، نعم، لكن:
بمن؟
وبأي لغة؟
ولمن؟

الفرنسية تصل إلى جزء من النخب الإفريقية.
العربية تصل إلى جزء آخر.
لكن مساحات واسعة من القارة تفكر وتناقش وتكتب بالإنجليزية، أو باللغات المحلية، أو بمنصات رقمية لا نكاد نكون حاضرين فيها.

كيف نطلب فهمًا متبادلًا، ونحن لا نستثمر بما يكفي في الترجمة، ولا في الإعلام العابر للحدود، ولا في رواية قصصنا بلغة الآخر، لا لغة مكاتبنا فقط؟

الإعلام هنا لا يفشل لأنه سيئ النية، بل لأنه محلي التفكير في عالم عابر للحدود.

تجربتي علمتني شيئًا بسيطًا ومؤلمًا

علمتني أن سوء الفهم متبادل.
وأن القطيعة في الخيال أخطر من القطيعة في السياسة.

في عمق إفريقيا، المغرب أحيانًا غير مرئي كما يجب.
وفي المغرب، إفريقيا أحيانًا حاضرة كفكرة، غائبة كواقع حي.

نحن لا نعرف بعضنا كما نظن.
وما لا نعرفه، نملؤه بالصور الجاهزة.

الإعلام كجسر… أو كحاجز

لهذا، حين نتحدث عن الانتماء، لا يكفي أن نُثبته بالخرائط أو بالاستثمارات أو بالخطابات الرسمية.
الانتماء يُبنى بالسرد.
بالقصة المشتركة.
بالإعلام الذي لا يكتفي بنقل الحدث، بل يشرح السياق، ويُعقّد الصورة، ويكسر النمط.

إفريقيا في حاجة إلى إعلام إفريقي يتحدث مع إفريقيا، لا عنها فقط.
والمغرب في حاجة إلى إعلام يرى في إفريقيا شريكًا معرفيًا وثقافيًا، لا مجرد امتداد جغرافي أو ملف دبلوماسي.

أن تكون إفريقيا… يعني أن تُصغي بقدر ما تتكلم

أن تكون إفريقيا، في النهاية، لا يعني أن ترفع صوتك لتُثبت وجودك،
بل أن تُصغي بصدق،
وأن تقبل أن الآخر قد يراك بشكل مختلف،
وأن تعمل على تصحيح الصورة لا بإنكارها، بل بفهم أسبابها.

لهذا أؤمن أن معركة الانتماء الحقيقية ليست سياسية فقط،
بل إعلامية، ثقافية، ولغوية.

وإفريقيا التي نحلم بها لن تولد من الاتهامات المتبادلة،
بل من الاعتراف المتبادل بالجهل، وبالرغبة الصادقة في الفهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى