أي دور للزوايا في القضايا الاجتماعية والسياسية والدينية؟؟

بشرى عطوشي

عرف المغرب عبر تاريخه الطويل حضور الزوايا باعتبارها فضاءات روحية واجتماعية وسياسية أسهمت بشكل حاسم في توازن الشأن الديني وحماية المجتمع من الانقسامات. فالزوايا لم تكن مجرد أماكن للتعبد، بل مدارس لنشر القرآن والعلوم الشرعية، ومراكز لترسيخ العقيدة الأشعرية والفقه المالكي والتصوف السني، وهو الثالوث الذي شكّل المرجعية الدينية للمملكة. ومن خلال نشر قيم الوسطية والاعتدال والتسامح، حصّنت الزوايا المجتمع المغربي من الانحرافات العقدية والتطرف، وجعلت من الدين قوة جامعة بدل أن يكون مصدر فرقة وصراع.

ولم يقتصر دورها على الجانب الروحي فقط، بل امتد إلى الوظيفة الاجتماعية حيث كانت تؤوي الفقراء والمحتاجين وتوفر لهم الطعام والرعاية، كما تحولت إلى مراكز للوساطة في حل النزاعات المحلية والقبلية، الأمر الذي عزز السلم الأهلي والتكافل بين مختلف فئات المجتمع. كما لعبت الزوايا دوراً سياسياً بارزاً، إذ وقفت إلى جانب الدولة المغربية في لحظات دقيقة من تاريخها، من خلال منح الشرعية للملوك والسلاطين عبر تجديد البيعة، بل وأسهمت في توحيد الشعب لمواجهة الاستعمار، فتحولت إلى قلاع للمقاومة والنضال مثل الزاوية الناصرية والزاوية الدرقاوية والزاوية الريسونية.

وتزداد أهمية الزوايا حين نربطها بمؤسسة البيعة التي تشكّل في المغرب عقداً شرعياً واجتماعياً يربط الأمة بإمارة المؤمنين. فالعلاقة التي نسجتها الزوايا مع العرش جعلتها إحدى أدوات ترسيخ الأمن الروحي، إذ عمل شيوخها على ربط أتباعهم ومريديهم بالبيعة الشرعية، وهو ما عزز وحدة المرجعية الدينية ومنع التشتت والانقسام

ومن خلال هذا التلاحم بين الزوايا والبيعة، تحصن المغرب ضد التيارات الوافدة والمتشددة، وحافظ على توازنه العقدي والمذهبي عبر العصور. ولا تزال هذه العلاقة قائمة اليوم، حيث تساهم الزوايا بمواسمها وأنشطتها في تعزيز الاستقرار الروحي، وتبقى حلقة وصل بين الدولة والمجتمع في مواجهة التحديات الفكرية والدينية.

وإذا كان البعد الديني والسياسي للزوايا واضحاً، فإن بعدها النفسي لا يقل أهمية، إذ شكّلت فضاءً للعلاج الروحي والنفسي، حيث يجد المريدون والمترددون عليها السكينة والطمأنينة عبر الذكر الجماعي والسماع الروحي والخلوات.

لقد زرعت هذه الممارسات قيم الصبر والثبات في النفوس، فساهمت في التخفيف من الاضطرابات الفردية والجماعية، ورسخت شعوراً بالأمن النفسي الذي انعكس بدوره على استقرار المجتمع ككل. وبهذا أصبح الأمن النفسي جزءاً لا يتجزأ من الأمن الروحي الذي ميز التجربة المغربية.

كما أن الزوايا لم تكتف بالدور الروحي والاجتماعي، بل تحولت إلى مدارس معرفية أنتجت علماء ومفكرين كان لهم أثر عميق في الداخل والخارج. فقد خرج من رحمها رجال مثل الشيخ محمد بن ناصر الدرعي الذي أسس مدرسة علمية بالصحراء امتد إشعاعها إلى السودان الغربي، والشيخ أحمد بن عجيبة الحسني الذي أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفات في التفسير والتصوف والفكر الإصلاحي، والشيخ أحمد التيجاني الذي انتشرت طريقته في إفريقيا جنوب الصحراء حتى غدت جسراً حضارياً بين المغرب وعمقه الإفريقي. هؤلاء وغيرهم جعلوا من الزوايا مؤسسات لإنتاج الفكر وإشعاع المعرفة، إلى جانب أدوارها الدينية والاجتماعية.

إن التجربة المغربية تؤكد أن الزوايا ساهمت بشكل حاسم في حماية هوية البلاد ووحدتها الروحية، حيث جمعت بين نشر الدين الصحيح، وبناء السلم الاجتماعي، ودعم الشرعية السياسية عبر البيعة، وتعزيز الأمن النفسي من خلال التربية الروحية، وإنتاج الفكر عبر العلماء والمصلحين.

ولهذا ظلت الزوايا ركيزة أساسية في الحفاظ على الأمن الروحي والتوازن الديني، وأداة من أدوات صيانة المرجعية الدينية تحت مظلة إمارة المؤمنين، مما جعل المغرب نموذجاً فريداً يجمع بين الأصالة والاعتدال والاستقرار والانفتاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى