إسحاق شارية وسياسة “الشيطنة”.. حين تُدفن البرامج ويُختزل النقاش في الأشخاص

حسين العياشي

لا تفصلنا عن الانتخابات التشريعية سوى أشهر قليلة، وفي هذا التوقيت بالذات تنشغل الأحزاب الجادة بالبرامج، الأرقام، التحالفات، والسيناريوهات الممكنة داخل توازنات الدولة. أما في الجهة الأخرى من المشهد، حيث يندر التنظيم وتغيب الحصيلة ويضعف النفس الفكري، فيُفتح الموسم السنوي لصناعة الأبطال الخارقين.. خطاب مرتفع، ووعود بحجم الدولة، وإيحاء بأن المشكلة لم تكن يومًا في حدود السياسة بل في من سبقوا إلى الكراسي.

في هذا السياق، يطل اسم إسحاق شارية، الأمين العام لحزب يكلّف دافعي الضرائب ما يكلّفه غيره من التنظيمات، دون أن ينجح في حجز مقعد واحد داخل البرلمان، حتى في زمن “القاسم الانتخابي” الذي فتح الباب واسعًا أمام الأحزاب الصغيرة. حزب بلا تمثيلية، لكن بخطاب إنقاذ وطني شامل. معادلة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، فحين تغيب النتيجة، يتضخم الصوت.

آخر فصول هذا المشهد كانت في جولة تطوان، حيث بدا الرجل كأنه في مهمة إنقاذ عاجلة، يستمع، يربت على الأكتاف، يعد، يلمّح، ويوزع جرعات أمل جاهزة الاستعمال. نسخة مألوفة من مشهد حفظه المغاربة عن ظهر قلب، وعود بالأطنان قبل الانتخابات، ثم بعدها مبررات بـ”العرّام”، ويبدأ موسم “الاختصاصات محدودة”، و”الواقع أعقد مما توقعنا”..

لكن ما لا يُقال في هذه الجولات هو بيت القصيد؛ لا أحد يخبر الناس أن النائب البرلماني، وفق الدستور، لا يبني مستشفى، ولا يعبّد طريقًا، ولا يشغّل عاطلاً، ولا يوقّع صفقات. وظيفته محددة في التشريع، والمراقبة، وتقييم السياسات العمومية. ومع ذلك، يتحول في الحملات إلى مقاول أشغال كبرى، ووزير ظل، وعامل إقليم متنقل، وصندوق حلول سحرية..

هنا يبدأ العجب.. لأن السياسي يعرف حدود اختصاصه جيدًا، ويعرف أن نصف ما يعد به خارج سلطته، ومع ذلك يرفعه إلى سقف المعجزات. لماذا؟ لأن الصراحة لا تفوز في الانتخابات، ولأن قول “هذا أقصى ما أستطيع” لا يجلب التصفيق، ولأن الوهم، للأسف، أكثر جاذبية من الحقيقة.

والنتيجة معروفة مسبقًا؛ ثقة تُستنزف ببطء، لأن الناخب يصوّت على أمل، ثم يكتشف أن ما اشتراه كان مجرد خطاب. والسياسي يبرر، ثم يعيد الكرة، ثم يتحدث عن “فجوة الثقة” وكأنها كارثة طبيعية لا علاقة له بها.

في حالة شارية، لا يتوقف الأمر عند حدود الوعود؛ الرجل بنى خطابه على معارضة شاملة لكل شيء تقريبًا، المنظومة، الأحزاب، المؤسسات، وحتى الحلفاء السابقين. كل شيء فاسد.. إلا اللحظة التي كان فيها داخل اللعبة. كل شيء خاطئ.. إلا المرحلة التي استفاد فيها من نفس السياق الذي يهاجمه اليوم. هذه ليست معارضة بالمعنى السياسي، بل ما يشبه إعادة تدوير للموقع، من الداخل إلى الخارج، ومن الولاء إلى القطيعة، ومن الشراكة إلى الاتهام.

الأخطر من ذلك أن الخطاب يتحول تدريجيًا إلى شخصنة صافية، خصوم، أسماء، معارك، تصفية حسابات، وكأن السياسة ليست صراع برامج بل صراع وجوه. وحين تغيب الفكرة، يصبح الصوت أعلى. وحين تغيب النتيجة، تصبح اللغة أكثر حدة. وحين يغيب التنظيم، يظهر “البطل الفرد” الذي سيصلح كل شيء دفعة واحدة.

لكن السياسة ليست فيلمًا خارقًا؛ لا أحد يصلح دولة بمفرده، ولا حزب بلا قاعدة يفعل المعجزات، ولا خطاب بلا مشروع يتحول إلى واقع. ما يحدث في مثل هذه اللحظات هو العكس تمامًا، تضخم في الوعود، وانكماش في القدرة، ثم انفجار في التبريرات.

وهنا، بدل أن يُسأل السياسي “ما هو برنامجك؟”، يُسأل سؤال أبسط وأقسى: هل أنت صادق مع الناس منذ البداية؟ هل قلت لهم حدود ما تستطيع؟ هل أخبرتهم أن البرلمان ليس وزارة، وأن النائب ليس واليًا، وأن السياسة ليست منصة لبيع الأحلام بالجملة؟

حين يغيب هذا الصدق، تتحول الانتخابات إلى مسرح جماعي للوهم، سياسيون يمثلون دور المنقذين، وناخبون يتشبثون بأمل يعرفون في قرارة أنفسهم أنه أكبر من صلاحيات صاحبه، ثم بعد خمس سنوات يُعاد العرض بنفس النص، ونفس الوعود، ونفس النتيجة.

السؤال الذي يطارد هذا المشهد ليس عن شارية وحده، بل عن نموذج كامل يتكاثر كل موسم انتخابي، هل نحتاج فعلًا إلى سياسيين.. أم إلى رواة بارعين يعرفون كيف يحكون قصة الخلاص كل خمس سنوات، ثم يتركون الواقع كما هو، ينتظر الحلقة القادمة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى