إيض يناير..رأس السنة الأمازيغية ..احتفال بالأرض والإنسان والهوية

ملف من إعداد: بشرى عطوشي

بعد أن اقتصر الاحتفال بعيد يناير لفترة طويلة على المنازل والقرى الناطقة بالأمازيغية، رسّخ هذا العيد مكانته على مرّ العقود كاحتفال ثقافي وطني في المغرب. ويعود الفضل في ذلك إلى الطعام الشهي، والطقوس، والتقاليد، وقبل كل شيء، إلى إرث التقويم الفلاحي العريق الذي يعود لآلاف السنين، وتطور الهوية الأمازيغية.

في الثاني عشر أو الثالث عشر أو الرابع عشر من يناير من كل عام، بحسب منطقة شمال أفريقيا، تحتفل العائلات بـ”يناير”، رأس السنة الأمازيغية. في المغرب، اكتسب هذا العيد شهرة واسعة منذ أن أصبح عطلة رسمية في عام 2023. وقبل التشريعات الحديثة بزمن طويل، كانت هناك حضارات ما قبل الرومان في شمال أفريقيا.

 

 ثلاثة آلاف عام من التاريخ

التقويم الأمازيغي، الذي لا يزال يُستخدم حتى اليوم في بعض المناطق الريفية، هو في الأساس تقويم زراعي. يقسم السنة وفقًا للفصول واحتياجات الحقول. لم تُوثّق المصادر المكتوبة القديمة أصله بدقة، لكن يتفق المختصون على جذوره العميقة في المجتمعات الليبية والنوميدية. فكرة ربط عام الصفر فيه بعام 950 قبل الميلاد. تاريخ تتويج الفرعون شيشنق الأول عام 2000 قبل الميلاد هو تاريخ حديث روجت له الحركات الأمازيغية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وقد شكّل هذا الاختيار نقطة مرجعية وأضفى تماسكًا رمزيًا على تقويم تناقلته الأجيال شفهيًا على مر العصور.

ولا يزال هذا التاريخ يثير جدلاً بين المؤرخين حتى اليوم، لكن ذلك لا ينتقص من ثراء الممارسات التي صمدت عبر القرون، بما في ذلك طقوس الحماية، والوجبات الجماعية، والمعتقدات الريفية المتعلقة بالوفرة والخصوبة.

بين المواسم الفلاحية والمعتقدات

قبل أن يصبح يوم يناير رمزًا للهوية، كان يُمثل فترة انتقالية في عالم الزراعة، إذ كان يُشير إلى انتقال عام زراعي إلى آخر. وتصف التقاليد المتبعة في الريف والأطلس المتوسط ​​وسوس والأطلس الصغير بداية العام في ظروف مُبشّرة، لجلب الحظ السعيد وحماية الأسرة والأمل في حصاد وفير.

ويُفسر هذا الارتباط بالأرض وجود طقوس رمزية مثل الاحتفاظ بحفنة من بذور العام الماضي لضمان خصوبة الحقول، وسكب بضع قطرات من الزيت أو الزبدة على عتبات البيوت، وتبريك الحيوانات والأدوات الزراعية، وتجنب الشجارات، وأي فعل يُعتبر نذير شؤم.

وفي العديد من القرى، كان يُطلب من الأطفال عدم الخروج بمفردهم في المساء لتجنب ”  السيئة”، وهو إرث من المعتقدات الشعبية القديمة. كما منعت عائلات أخرى إقراض أي شيء في يوم يناير، لاعتقادها أن ذلك سيجلب الفقر طوال العام.

في المغرب، يرتبط عيد الناير ارتباطا وثيقا بالمائدة، تختلف الأطباق من منطقة لأخرى، لكن الفكرة واحدة: مشاركة وجبة ترمز إلى الوفرة والخصوبة وموسم الحصاد القادم.

في كثير من العائلات، يحتل الكسكس مكانة مركزية، مع إضافة كمية أكبر من الخضراوات المعتادة، دلالةً على أن العام الجديد يبدأ تحت راية الكرم.

حبة فاصوليا أو لوز في الكسكس

في بعض مناطق سوس وجبال الأطلس الكبير، تخبأ حبة فاصوليا أو لوز في الكسكس. ويُقال إن من يجدها سيحظى بعام سعيد. هذه لعبة ينتظرها الأطفال بفارغ الصبر.

تضيف العائلات الميسورة الدجاج أو أنواعًا أخرى من اللحوم، بينما تُعدّ عائلات أخرى أطباقًا خاصة بمنطقتها، مثل البركوكة، والتاغولة، والإكسو، أو كعك السميد (الحرشة) الذي يُؤكل في الصباح الباكر. وفي بعض البيوت، تُقدّم وجبة رمزية للحيوانات، كبادرة لإشراكها في العام الجديد.

على الرغم من تغير أنماط الحياة، تبقى الرغبة في بدء العام حول مائدة الطعام من أجمل جوانب احتفالات يناير.

تختلف عادات يناير من منطقة لأخرى. ففي جبال الريف، تُعدّ العائلات أطباقًا تعتمد أساسًا على الحبوب، وتجتمع مساءً. وفي منطقة سوس، يتلقى الأطفال أحيانًا هدايا صغيرة أو فواكه مجففة.

أما في جبال الأطلس المتوسط، فتُعدّ طقوس البلوغ أكثر شيوعًا، حيث يقوم بعض الآباء بقصّ خصلة من شعر أطفالهم الصغار احتفالًا بنموهم. وفي مناطق أخرى، يشتري الناس شيئًا جديدًا، كالملابس أو غرضًا مفيدًا، ليبدأوا العام بنوايا حسنة.

لا تستند هذه العادات إلى أي أساس ديني، بل هي جزء من مجموعة من الممارسات الريفية التي تتمحور حول مفاهيم الوفرة والتوازن وحماية .

بينما كان عيد ينايير لفترة طويلة احتفالًا عائليًا يقتصر على مناطق معينة في المغرب، فقد اكتسب تدريجيًا مكانة وطنية بارزة. وقد ساهمت عدة عوامل في هذا التطور.

أولًا، ازدهار الثقافة الأمازيغية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بدعم من الجمعيات والجماعات الفكرية والفنانين. ثانيًا، الاعتراف الرسمي باللغة الأمازيغية في دستور عام 2011، الذي أرسى إطارًا مؤسسيًا ملائمًا لتعزيزها الثقافي. وأخيرًا، قرار عام 2023 بجعل ينايير عطلة وطنية.

لم يُغير هذا الاعتراف الرسمي من طبيعة الاحتفال، ولكنه منحه حضورًا غير مسبوق. ففي المدارس والمكاتب الحكومية ووسائل الإعلام، يُذكر ينايير الآن كحدث هام في التقويم، على قدم المساواة مع الأعياد الوطنية الأخرى.

وخارج المغرب، يُحتفل بيناير في معظم دول شمال إفريقيا، بما في ذلك الجزائر وتونس وليبيا، وكذلك بين أبناء جالياتهم في الشتات. وتختلف التواريخ اختلافًا طفيفًا باختلاف المنطقة، وكذلك التقاليد الغذائية، لكن المبدأ يبقى واحدًا.

يناير امتداد لتقويم فلاحي قديم

في الجزائر، يُعدّ عيد يناير عطلة رسمية منذ عام 2018. أما في تونس وليبيا، فيبقى الاحتفال مناسبة ثقافية وعائلية في المقام الأول. وفي المجتمعات الأمازيغية في سيوة بمصر، يوجد شكل محلي للاحتفال أيضاً، وإن كان يُعرف بأسماء مختلفة.

يصاحب الاهتمام المتزايد بـ”يناير” نقاشاتٌ حول أصوله. يُستخدم تاريخ 950 قبل الميلاد على نطاق واسع لتحديد السنة الأمازيغية، لكنه غير مُثبت من قِبل المصادر الفرعونية. إنه مجرد نقطة مرجعية مختارة لتوفير التناسق لتقويم تختلف نسخه من منطقة إلى أخرى.

يرى بعض المؤرخين أن التفسير الأبسط هو أن “يناير” هو امتداد لتقويم فلاحي قديم يعود لما قبل العصر الروماني، تم تكييفه لاحقًا مع السنة اليوليانية ثم مع الممارسات المحلية. ويُعدّ ارتباطه بمصر القديمة رمزًا للهوية أكثر منه حقيقة تاريخية ثابتة.

ما معنى التقويم اليولياني

وهو التقويم الذي اعتمده يوليوس قيصر عام 46 قبل الميلاد، ومنه اشتق اسمه. وفيه السنة 365 يوماً وربع اليوم. وهذا الربع كان يضاف مرة كل أربع سنوات، السنة الكبيسة.

وفي هذا زيادة عن المطلوب، ذلك أن الكسر المرافق لعدد الأيام الصحيحة هو أقل من الربع. فمدة اكتمال دورة الأرض حول الشمس هو: 365,2421898 يوماً. أي أن السنة هي تقريباً 365 يوماً وخمس ساعات و 48 دقيقة و 45,198 ثانية.

ومن ثم ففي التقويم اليولياني خطأ سيظهر بعد عدد من السنين. فالسنة اليوليانية كانت تجري أبطأ من السنة الحقيقية. وهذا الفرق بدأ في الظهور مع أوقات الانقلاب الفصلي. وبالرغم من الاستعاضة عنه بالتقويم الغريغوري عالمياً، إلا أن بعض الكنائس الأرذوكسية لا تزال تستخدمه.

النساء في رأس السنة الأمازيغية

تبدأ السنة الأمازيغية يوم 14 يناير، بينما يوافق اليوم الثالث عشر من نفس الشهر رأس السنة، وهي تشكل بداية دورة زراعية جديدة، يحتفي فيها الأمازيغ بعمق، بكل ما تنبته الأرض، ويطلقون عليها أسماء تختلف حسب كل منطقة من قبيل: “إيخف أوسكواس” أو “حاكوزة“، إلا أن الشائع هو تسمية “ناير“، أو “إيض يناير” وباللغة العربية ليلة يناير.

وكما تختلف التسميات، تتنوع الاحتفالات والطقوس الامازيغية في استقبال العام الجديدة، فما يميز طقوس المغاربة يختلف عن تلك التي يحييها الجزائريون والتونسيون والليبيون، لكنها تلتقي كلها في رمزية السنة والانتصار للفرح والهوية.

أكلات إيض ن ناير

ولا يمكن أن يمر على النساء الأمازيغيات رأس السنة الأمازيغية بشكل عابر، فهن الأكثر تمسكا بالاحتفاء بإيض يناير، وهن دوما في طليعة الاحتفال الذي يتجلى في مظهرين أساسيين، الأول يتعلق باستعراض الأزياء الأمازيغية المزينة بالحلي والمجوهرات، التي تكتسي طابعا ثقافيا متجذرا في التاريخ، أما المظهر الثاني فيتمثل في “طقوس” الطبخ، وهي تشكل احتفاء بمنح الطبيعة للإنسان، وما ينتجه الفلاح البسيط في مزارعه، ويقدمن منها أطباقا مختلفة منها “أوركيمن” وهي أكلة تحضر بأنواع من الحبوب والقطاني مثل: الذرة، والقمح، والحمص، والفاصوليا (اللوبيا)، والعدس، والفول اليابس.

وفي بعض مناطق الجنوب الشرقي للمغرب تعد أكلة “تاكلا” أو”تاروايت“، الطبق الرئيسي للاحتفال، حيث تتولى النساء زمام طهيها المحكوم بالصبر والروية والدقة العالية، لأنه ينبغي تحريكها باستمرار. وتبدأ رمزية “تاكلا” عند الأمازيغ، من “تازلافت“، وهو إناء دائري طيني مشترك تقدم فيه الأكلة، والذي يحيل على التآزر واللحمة. وفي إيض يناير، يلتف جميع أفراد الأسرة حول الأكلة، وأمل كل واحد من هم العثور على “إخص” وهو نواة تمرة تضعها المرأة في الطبق.

تعتبر نواة التمر في ” تاكلا” أو الكسكس، حسب عادات كل منطقة، رمزا للبركة، كما أنها معيار رمزي لتحمل مقاليد المسؤولية داخل الأسرة وإدارة شؤونها، على سبيل المثال، يتكلف من يعثر على نواة التمرة بمفتاح خزينة المنزل، وهذا الاحتفال بمثابة انعقاد جمع عام للأسرة، تطال مخرجاته سنة كاملة، وهي طريقة انتخاب تقليدية تتجاوز مساوئ الديمقراطية.

في محاولة للإمساك بأزمنة الماضي، تتجدد طقوس النساء في بعض القرى، حيث يحضرن أكلةً عريقة يجلبن كل مكوناتها من الأرض، وتُسمى “إحبان“، أي الحبوب. ويبدأ إعداد هذه الوجبة المتجذرة تاريخيا مساء، حيث تستخدم في تحضيرها حبوب الذرة، التي تُترك على نار هادئة حتى تقترب من الاستواء، ثم تضاف إليها حبوب القمح والزيت والفول الذي يتم تقشيره بعناية وتصفيته جيدًا. وتحرص بعض العائلات على تناول هذه الأكلة ليلة إيض يناير، بينما تفضل الأخرى تناولها في اليوم الموالي.

عند حلول الليل، يُفضّل البعض إعداد الكسكس، الذي يُضاف إليه جزء من هذه الحبوب، فيتداخل طعمها مع النكهة التقليدية، ويستثنى من هذا الطبق اللفت والفلفل الحار، فيتم تجنب الأخير اعتقادًا بأن تناوله قد يجلب الشؤم على العام الجديد. وعلى الرغم من أن الجميع يطهو نفس الأكلة، إلا أن العادة تقتضي مشاركة الأطباق بين الأسر، كما تُرسل بعضها إلى القرى أو المدن المجاورة.

لا تنسى بعض العائلات والمجتمعات إضافة البيض البلدي واللوز والجوز والسمن البلدي والعسل الحر، من أجل النكهة وتزيين المائدة، لتصبح هذه الوجبة رمزا للتآخي والاحتفاء بالجذور، هكذا تظل ذاكرة الماضي حية في طعام اليوم، متواصلة مع تاريخ الأجداد.

بعد الانتهاء من تناول الطعام، يلتئم الجميع، نساء ورجالا، شبابا وشيوخا، في فضاء مفتوح يُعرف بـ”أسراك“، وهي ساحة عامة، تحتضن احتفالات إيض يناير بكل ما تحمله من ألق التقاليد. في بعض المناطق، يتردد صدى إيقاعات أحواش، بينما يحيي آخرون نشاطات شعبية مثل “تيباطشين” أو “تينبويا“، وفي بعض قبائل سوس تسمى “اباينو“،  حيث تشعل النار في 7 أكوام من الحطب يقفز فوقها المحتفلون، في إشارة للتقدم نحو الأمام واستقبال السنوات القادمة بفألٍ حسن.

اليوم، يُمثّل “يناير” حضورًا أقوى من أي وقت مضى، جامعًا بين عبق التاريخ وحداثة العصر، تُحافظ العائلات في المدن على الأطباق والتقاليد التي توارثتها عن آبائهم وأجدادهم، بينما تُنظّم المدارس أنشطةً لاستحضار الثقافة الأمازيغية. وفي العديد من المدن، تُقدّم الجمعيات عروضًا ومحاضرات واحتفالات جماعية.

يُذكّر هذا المهرجان بتنوّع المغرب وآثار ماضيه الفلاحي العريق الذي يمتد لألف عام.

إقرأ أيضا :إيض يناير… حين يحتفل المغرب بهويته العميقة ويقدم نموذجا حضاريا يتجاوز الصين

 

مقاربة بيروقراطية في التفعيل العملي للأمازيغية

فمنذ أكثر من عقد، لا يزال التفعيل العملي للطابع الرسمي للأمازيغية رهيناً بتفسيرات ضيقة، ومقاربة بيروقراطية مترددة، جعلت من اللغة الأمازيغية مجرد ملف إداري بدل أن تكون مشروعاً مجتمعياً لإعادة التوازن الهوياتي والثقافي داخل الدولة المغربية الحديثة. ويبرز ذلك، على وجه الخصوص، في ضعف تعميم تعليم الأمازيغية، سواء على المستوى الأفقي أو العمودي، وغيابها شبه التام في الجامعات ومعاهد التكوين والإدارات العمومية ووسائل الإعلام الرسمية.

من جانب آخر، نبّهت الإطارات الأمازيغية إلى أن غياب مخططات عمل واضحة لدى الوزارات والمؤسسات والجماعات الترابية، وعدم تخصيص الموارد المالية والبشرية اللازمة، يمثلان تراجعاً بنيوياً عن روح الدستور. فإقصاء الأطر المختصة والفاعلين من مراكز القرار، وتهميش الكفاءات العاملة في الميدان اللغوي والثقافي، يكشف عن خلل مؤسساتي يعيد إنتاج اللامساواة اللغوية والثقافية التي طالما كانت جوهر الصراع الرمزي في المغرب الحديث.

ولعل أخطر ما يحذر منه البيان هو أن هذا التملص المستمر يهدد بفقدان الثقة في التعاقد الدستوري ذاته، وفي آليات الترافع المدني، مما قد يفتح الباب أمام توترات اجتماعية وردود فعل غير متوقعة، خاصة في ظل تنامي الإحساس الجمعي بالغبن الثقافي والمجالي. فالقضية الأمازيغية هنا ليست مجرد مسألة لغوية، بل مسألة عدالة رمزية وتنموية تعكس علاقة الدولة بمواطنيها وتصورها للتعدد داخل وحدة الوطن.

إن أزمة الأمازيغية اليوم ليست في غياب النصوص القانونية، بل في غياب الإرادة السياسية لتفعيلها. وما بين الاعتراف الدستوري والتطبيق الواقعي، يظل السؤال مفتوحاً حول القدرة على تجاوز منطق الرمزية نحو منطق العدالة اللغوية والثقافية.

 

استمرار أخطاء ترجمة الأمازيغية في الفضاء العمومي يفضح أعطاب تفعيل طابعها الرسمي

أميمة حدري: صحافية متدربة

في الوقت الذي يفترض أن يشكل إدماج اللغة الأمازيغية في الفضاء العمومي، أحد أبرز تجليات تفعيل طابعها الرسمي، كما نص عليه دستور المملكة لسنة 2011، تتواصل مظاهر الارتباك والاختلال المرتبطة بترجمتها وكتابتها، خاصة بحرفها الرسمي “تيفيناغ”، على واجهات المؤسسات العمومية وعلامات التشوير واللوحات الإشهارية، بل تم تصنيفها من طرف مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة، كلغة أجنبية، في سابقة أثارت الجدل.

سياسات التغييب والإقصاء التي طالت الأمازيغية داخل المدرسة العمومية ووسائل الإعلام العمومية والفضاء العام

أخطاء لغوية متكررة، وترجمات غير دقيقة، وصيغ كتابية تفتقر إلى الحد الأدنى من الضبط اللساني، باتت تثير تساؤلات متزايدة حول مدى جدية هذا الورش الدستوري، وحدود التزام القطاعات المعنية بروحه ومقتضياته القانونية، وعلى رأسها القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

عبد الله بوشطارت، عضو مجموعة الوفاء للبديل الأمازيغي، قال إن استمرار الأخطاء الإملائية والتركيبية، وسوء ترجمة معاني الأسماء والكلمات باللغة الأمازيغية في الفضاء العمومي، يعكس تراكب مجموعة من الأسباب والعوامل العميقة، التي لا يمكن اختزالها في الهفوات التقنية أو الأخطاء العرضية، بل ترتبط أساسا بطريقة تعاطي الحكومة وعدد من المؤسسات العمومية مع اللغة الأمازيغية، التي ما تزال تعامل، في الممارسة، كلغة هامشية لم ترق بعد إلى مصاف لغة الدولة والمؤسسات، رغم ما ينص عليه الدستور من ترسيم رسمي لها.

الحكومة وأحزابها لا تتعامل مع الأمازيغية باعتبارها قضية مركزية بل كورقة انتخابية

وأوضح بوشطارت، في تصريح لـ”إعلام تيفي”، أن هذا التصور السلبي لم يتشكل من فراغ، بل هو نتيجة صورة نمطية جرى ترسيخها لعقود داخل المجتمع، بفعل سياسات التغييب والإقصاء التي طالت الأمازيغية داخل المدرسة العمومية ووسائل الإعلام العمومية والفضاء العام، وهو ما أفرز، بحسب تعبيره، “واقعا سلبيا” تجاه اللغة الأمازيغية، لم يقتصر أثره على غير الناطقين بها، بل امتد حتى إلى فئات واسعة من الأمازيغ أنفسهم، الذين باتوا يشعرون بعدم الجدوى من تعلمها، ما دامت خارج مؤسسات الدولة ولا تؤدي وظيفة حقيقية في الاندماج الاجتماعي أو الترقي المهني، مقارنة بلغات أخرى تخصص لها الحكومة سنويا إمكانيات واسعة ومناصب شغل متعددة.

وأضاف المتحدث أن هذا الاستخفاف غير المبرر بالأمازيغية، وتلك الصورة السلبية التي تم تسييدها وتعميمها عبر سنوات طويلة، هما ما يفسر، في نظره، “الطريقة التي تتعامل بها الحكومة اليوم مع هذا الورش الدستوري”، حيث تختزل الأمازيغية في عبء إضافي أو التزام شكلي، “كمصرانة زايدة”، فرضته الظروف وضغط الوعي الشعبي المتزايد، خصوصا في أوساط الشباب الذين انخرطوا بقوة في ديناميات الدفاع عن الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية، ورفعوا منسوب المطالبة بإنصافها داخل السياسات العمومية.

وشدد بوشطارت على أن ما يطفو على السطح من اختلالات في الترجمة والكتابة بالأمازيغية داخل الفضاء العمومي، “لا يمثل سوى جزء بسيط من واقع أكثر قتامة تعانيه الأمازيغية داخل المؤسسات”، معتبرا أن هذه المظاهر تكشف بشكل واضح عن “طبيعة السياسة الحكومية في تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وتفضح الرؤية التي تحكم تعاطي الفاعل الحكومي معها”.

وأكد الفاعل ذاته أن السبب الجوهري لهذا الوضع، “يتمثل في غياب إرادة سياسية حقيقية لإنصاف الأمازيغية وتفعيل رسميتها بشكل فعلي”، معتبرا أن ما يجري لا يرقى حتى إلى مستوى الاعتراف الرمزي، بل يعكس، بحسب توصيفه، “حالة من النفاق السياسي”، ويتجلى في إدماج متسرع وشكلي للأمازيغية في الواجهات أو في إطار فولكلوري واستعراضي، عبر المهرجانات والاحتفالات الرسمية وطقوس العبور البروتوكولية.

وختم الناشط الأمازيغي بالتأكيد على أن هذا السلوك يبرز بجلاء أن الحكومة وأحزابها لا تتعامل مع الأمازيغية باعتبارها قضية مركزية ذات بعد ديمقراطي وحقوقي، بل كورقة انتخابية صرفة، يتم استدعاؤها والتلويح بها خلال الزمن الانتخابي، مقابل تغييبها في الزمن الحكومي الفعلي، حيث تبرمج الميزانيات، وتحدث مناصب الشغل، وتصاغ السياسات العمومية والبرامج الوطنية الكفيلة، في نظره، بإنصاف الأمازيغية وإخراج رسميتها من دائرة الشعارات إلى مجال الفعل المؤسساتي الملموس.

هذا الواقع القاتم، الذي لم يعد معزولا، يعكس أعطابا بنيوية في تنزيل رسمية الأمازيغية، تتجاوز مجرد أخطاء تقنية أو هفوات فردية، لتطرح إشكالا أعمق يرتبط بالحكامة اللغوية، وغياب آليات المراقبة والمواكبة، وضعف التنسيق بين المؤسسات، فضلا عن محدودية إشراك الكفاءات المتخصصة في اللغة الأمازيغية في عمليات الترجمة والكتابة.

كما يعيد إلى الواجهة سؤال الانتقال من الاعتراف الدستوري الرمزي إلى التفعيل العملي الفعلي، بما يحفظ للأمازيغية مكانتها كلغة رسمية، ويصون الحق اللغوي للمواطنين، ويجنب هذا الورش الوطني الانزلاق نحو ممارسة شكلية تفرغه من دلالاته الحقوقية والثقافية، كما نبهت إلى ذلك مرارا تقارير ومداخلات أكاديمية وحقوقية منشورة في النقاش العمومي الوطني.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى