اتحاد المغرب العربي بين مظاهر الشلل السياسي و حدود التسمية

د محمد شقير

عادة ما يتم التساؤل عن مفارقة غريبة تكمن في تبني قادة دول اتحاد المغرب العربي عند تأسيسه تسمية تحيل على الموروث الثقافي العربي في بنيات اجتماعية ذات عمق امازيغي وموروث ثقافي ضارب في القدم سواء في المغرب أو الجزائر أو تونس أو موريتانيا أو ليبيا.

-عدم تطابق تسمية اتحاد المغرب العربي مع مكونات الموروث الامازيغي

يعد الموروث الأمازيغي مكوناً أصيلاً وركيزة أساسية للهوية الثقافية في دول اتحاد المغرب العربي (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا)، حيث يتجلى في اللغة (تريفيت، تاشلحيت، تمازيغت)، والتقاليد الاجتماعية، والفنون الشعبية، واللباس (البرنوس، القفطان)، والمطبخ (الكسكسي)، إذ من أبرز مظاهر الموروث الأمازيغي في دول المغرب العربي:

-اللغة والثقافة حيث تتنوع اللهجات الأمازيغية وتنتشر في مختلف المناطق، والتي تُعتبر لغة أصلية للعديد من الساكنة.

-التاريخ والحضارة حيث  تعود جذور الأمازيغ إلى آلاف السنين قبل الإسلام، وكان لهم دور فاعل في الحضارة البشرية وتاريخ المنطقة.

-التقاليد والعادات: حيث يُحتفى برأس السنة الأمازيغية “يناير” كجزء من الموروث الثقافي غير المادي في دول مثل الجزائر والمغرب.

-الفنون والحرف التي تشمل الفنون الأمازيغية الموسيقى والرقصات التقليدية (مثل أحواش، أحيدوس) والحرف اليدوية (الزربية الأمازيغية، الحلي الفضية).

-الدور التاريخي من خلال تعاقب  دول أمازيغية عديدة على حكم المنطقة مثل الحفصيين والمرينيين والموحدين والزيريين. كما شكل الأمازيغ (صنهاجة) السكان الأصليين للمجال الموريتاني منذ ما قبل الميلاد، حيث أسسوا حضارات صحراوية ونقشوا أبجدية تيفيناغ، وشكلوا “بلاد الملثمين”.

– التكوينات الاجتماعية  الامازيغية التي تستقر في عدة مناطق من  المجال المغاربي كالقبايل  والطوارق في الجزائر و ساكنة الريف و سوس وزيان  في المغرب . في حين  يتركز الأمازيغ ي في تونس وليبيا في مناطق جبل نفوسة، زوارة، وغدامس بليبيا، وجزيرة جربة وبعض قرى الجنوب التونسي.

وبالتالي يُشكل هذا الموروث  الامازيغي جزءاً لا يتجزأ من الهوية المغاربية، التي تتميز بتنوع ثقافي غني يجمع بين المكونات الأمازيغية والعربية والإسلامية.لكن يبدو أن كل هذا الموروث الامازيغي  المتجذر في  هذه الهوية  المغاربية  لم يتم استحضاره في تأسيس اتحاد المغرب العربي ليتم القفز  السياسي عليه من  خلال إطلاق تسمية “اتحاد المغرب العربي ”

-الخلفيات السياسية لتسمية “اتحاد المغرب العربي”

يمكن ربط تسمية “اتحاد المغرب العربي،” الذي تأسس في 17 فبراير 1989 بمدينة مراكش، بالارتكاز على أبعاد جغرافية، وتاريخية، وسياسية تعكس هوية الدول الخمس المكونة له (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا).  حيث تتمثل الأسباب الرئيسية لهذه التسمية في الآتي:

-الموقع الجغرافي (المغرب): حيث تعود أصل كلمة “المغرب” إلى اللغة العربية، وتعني “المكان الذي تغرب فيه الشمس”. فقد أطلق العرب المسلمون الأوائل هذا المصطلح على المنطقة الواقعة غرب مركز الخلافة الإسلامية آنذاك (دمشق)، لتمييز الجزء الغربي من العالم الإسلامي الممتد من الإسكندرية شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً.

-الهوية السياسية والثقافية العربية:  حيث أضيفت صفة “العربي” للتأكيد على الانتماء القومي والروابط اللغوية والثقافية التي تجمع دول المنطقة ببقية الوطن العربي. وقد شاع استخدام هذا المصطلح تاريخياً من قبل حركات التحرر الوطني، مثل “لجنة تحرير المغرب العربي”.

-تكامل دول الاتحاد: حيث  استُخدم لفظ “اتحاد” للدلالة على الرغبة في تحقيق التكامل الاقتصادي والسياسي، وفتح الحدود، والدفاع عن القضايا المشتركة في ظل التكتلات العالمية التي كانت تظهر في تلك الفترة.

لكن يبدو أنه بالإضافة إلى مختلف هذه الأسباب  ، فقد كان التمدد الإسلامي وخاصة الاخواني في مختلف دول المنطقة المغاربية والذي تجسد بالخصوص في تبلور الحركات الإسلامية ونموها على المستوى الداخلي بحمولتها الايديولوجية والمتشبثة  باللغة العربية كلغة القرآن؛ واكتمال تكتل أوربا الغربية  في إطار الاتحاد الأوربي  بما يحمله من انعكاسات خطيرة على منطقة المغرب العربي، قد كان حاسما في اختيار هذه التسمية والذي قد يكون وراء إحياء فكرة المغرب العربي من جديد. مما يطرح التساؤل عن ما إذا لم يكن طرح هذه الفكرة في الوقت الراهن ليس إلا تأطيرا فكريا لتكامل اقتصادي بين دول منطقة المغرب العربي؟؟

فقد تأسس اتحاد المغرب العربي عام 1989 في مراكش بإرادة قوية من قادته (الملك الحسن الثاني، العقيد القذافي، الرئيس بن جديد، الرئيس بن علي، والرئيس ولد الطايع) لتعزيز الروابط التاريخية والدينية واللغوية، مشدّدين على التوجه العروبي كمنطلق لبناء وحدة عربية شاملة، رغم التحديات الجيوسياسية القائمة. ولعل من أبرز ملامح التوجه العروبي لدى هؤلاء القادة الموقعين على معاهدة الاتحاد:

-التأصيل التاريخي والجغرافي: حيث  تم بناء الاتحاد إيماناً بمتانة الأواصر العربية الإسلامية، وضرورة التلاحم لتحقيق التنمية والأمن.

-منطلق للوحدة العربية:  حيث نصت معاهدة إنشاء الاتحاد على أن الهدف هو أن يكون خطوة نحو تحقيق الوحدة العربية الشاملة، وتعزيز التضامن العربي.

-العمق العربي والافريقي: حيث عبر القادة عن تطلعهم لأن يكون الاتحاد ركيزة للتعاون العربي  الإفريقي.

-التاريخ النضالي:  حيث اعتمد القادة في التوجه العروبي على تاريخ مشترك، ورموز  عروبية واسلامية

وعلى الرغم من هذا التوجه العروبي المبدئي، واجهت دول  الاتحاد تحديات كبيرة بسبب النزاعات الثنائية، مثل قضية الصحراء المغربية والخلافات الجزائرية-المغربية، والتي أثرت على فاعليته، فقد بقي التشبث بالتوجه العروبي حاضراً كأفق استراتيجي.

-الشلل السياسي للاتحاد وضرورة إعادة النظر في تسميته

يعاني اتحاد المغرب العربي (تأسس 1989) من شلل سياسي مزمن وتجمد في مؤسساته، ناتج بشكل رئيسي عن النزاع الجزائري-المغربي حول ملف الصحراء، وغلق الحدود، والتنافس الإقليمي. هذا الوضع أدى إلى إهدار فرص اقتصادية كبيرة، وعرقلة التكامل الإقليمي، رغم المقومات المشتركة، مع استمرار النخب الحاكمة في إعطاء الأولوية للخلافات الثنائية. ويمكن إرجاع أسباب الشلل السياسي لاتحاد المغرب العربي في عدة عوامل من أبرزها:

-النزاع حول الصحراء المغربية:  حيث يمثل النزاع المستمر بين المغرب والجزائر “جداراً حديدياً” يعرقل أي تقارب أو تفعيل لمؤسسات الاتحاد.

-إغلاق الحدود والتوتر الثنائي الذي أدى  إلى إغلاق الحدود بين الجزائر والمغرب منذ عام 1994، وتفاقم التوترات الدبلوماسية، مما نجم عنه  استحالة عقد قمم مغاربية في آجالها المحددة.

-غياب الإرادة السياسية: حيث سيطرة الخلافات الثنائية وحالات الانفعال السياسي لقيادات دول الاتحاد على حساب المصالح الجماعية، مما جعل الاتحاد بلا فاعلية.

-اختلاف الأنظمة السياسية من خلال تبني الدول الأعضاء لأنظمة سياسية مختلفة (ملكيات وجمهورية) وتوجهات إيديولوجية متباينة  مما أثر على التجانس بين دول الاتحاد.

-تراكم الأزمات الداخلية حيث شهدت دول مثل ليبيا وتونس تحديات أمنية واقتصادية خلال العقد الأخير أدت إلى تغيير النظام السياسي في كلا البلدين الشيء الذي قلصت الاهتمام بتفعيل الاتحاد.

– التدخلات الخارجية من خلال ارتباط بعض الدول بأجندات قوى دولية (خاصة فرنسا) مما أثر على استقلالية القرار المغاربي.

وقد نجم عن شلل وجمود مؤسسات هذا التكتل المغاربي عدة تداعيات كان من أهمها :

-هدر اقتصادي: حيث  تشير التقديرات إلى خسائر سنوية كبيرة في نسب النمو نتيجة غياب سوق مشتركة.

-ضعف التكتل من خلال فقدان المنطقة لوزنها السياسي والاقتصادي في الفضاء الأورو-متوسطي والاتحاد الأفريقي.

-موت الحلم الوحدوي من خلال تراجع الشعور بالمصير المشترك بين الشعوب المغاربية لصالح النزعات

فعلى الرغم من دعوات المجتمع الدولي (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) لفتح الحدود وتحقيق التكامل، لا يوجد حالياً ما يشير إلى تفعيل قريب لاتحاد المغرب العربي في ظل استمرار نفس الظروف السياسي

وبالتالي ، فأمام  مختلف المتغيرات الجيوستراتيجية التي تعرفها مناطق العالم  والتنافس الحاد بين الدول الكبرى للسيطرة على ثروات القارة الافريقية بما فيها منطقة شمال افريقيا ، أصبح من الضروري إعادة هيكلة هذا الاتحاد والعمل على تفعيله سواء من خلال إعادة تسطير أهدافه التكاملية أو تأطير بنياته الاجتماعية والثقافية بشكل يتماهى مع مكوناته السكانية واللغوية . فقد شهدت السنوات الأخيرة، نقاشات حول تعديل التسمية لتصبح “الاتحاد المغاربي” أو “اتحاد المغرب الكبير”. حيث تأتي هذه المطالب لعدة أسباب من بينها:

-الانسجام مع التنوع العرقي والثقافي للمنطقة، خاصة المكون الأمازيغي الذي يعد جزءاً أصيلاً من هوية شعوبها.

-تجاوز الانتقادات التي تعتبر التسمية الحالية “عرقية”، واستبدالها بمصطلح يشمل جميع المكونات الهوياتية لبلدان شمال إفريقيا.

– تزايد الوعي بالهوية المغاربية لتشمل الأصول الثقافية والتاريخية  الامازيغية . إذ تقرر الاستجابة لبعض مطالب الجمعيات الامازيغية سواء بالجزائر أو المغرب . فقد سن  الاحتفال الرسمي برأس السنة الأمازيغية  في كلا البلدين على غرار الاحتفال بالسنة الهجرية والميلادية.كما تقرر أيضا في المغرب تدريس اللغة الامازيغية بالمدارس وكذا تعميم تداولها في المرافق والفضاءات العمومية  . وعلى الرغم من أن موضوع “الأصول الأمازيغية”  ما زال حساساً ومقترناً بالاعتزاز بالنسب العربي لدى العديد من المكونات الموريتانية ، فقد برزت محاولات حديثة من بعض الموريتانيين لإعادة اكتشاف الجذور الصنهاجية والافتخار بها، خاصة بين الشباب والباحثين في التاريخ. في حين شهدت ليبيا عودة للوعي بالأمازيغية، خاصة بمناطق الشمال الغربي (زوارة، جبل نفوسة، نالوت)، وغدامس، وفي الجنوب (غات، أوباري، سبها). حيث بدأت المطالبة بتدريس اللغة (الزناتية، التافيناغ) وتعزيز المكونات الامازيغية للهوية في ليبيا التي ما زالت تواجه تحديات  استعادة  وحدتها السياسية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى