اتهامات بالإقصاء والصفقات المباشرة تلاحق مشروع الربط بين المغرب واسبانيا

حسين العياشي

عاد مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا عبر نفق سككي تحت مضيق جبل طارق إلى واجهة الجدل في مدريد، لكن هذه المرة من بوابة القضاء، بعدما تفجّر نزاع قانوني بين الدولة الإسبانية وعدد من مكاتب الهندسة الخاصة التي تطعن في طريقة إسناد دراسات تقنية مرتبطة بالمشروع، وتصفها بغير الشفافة والإقصائية.

وقد فتحت فدرالية جمعيات شركات المعرفة والهندسة بإسبانيا جبهة قضائية أمام المحكمة الإدارية المركزية بمدريد، للطعن في قرار إسناد صفقة دراسات تقنية بشكل مباشر إلى الشركة العمومية «إينيكو»، دون المرور عبر مسطرة طلب عروض مفتوحة. وتستهدف الشكوى عقداً أبرمته الشركة الإسبانية للدراسات الخاصة بالربط الثابت عبر المضيق «سيثيغسا»، وهي هيئة عمومية تتولى تنسيق الدراسات المرتبطة بالمشروع وتخضع لوصاية وزارة النقل.

وترى الفدرالية أن كون «سيثيغسا» و«إينيكو» تخضعان للوصاية الوزارية نفسها يثير تساؤلات جدية حول استقلالية القرار واحترام القواعد المؤطرة للصفقات العمومية، معتبرة أن اللجوء المتكرر إلى شركة عمومية لإنجاز دراسات بهذا الحجم يحرم القطاع الخاص من المساهمة في مشروع تتطلب طبيعته خبرات متخصصة في تصميم الأنفاق والمنشآت الكبرى، ويقوض في الآن نفسه مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص والمنافسة الحرة، خاصة في ظل اعتماد تمويلات أوروبية.

المحكمة الإدارية أعلنت قبول الطعن من حيث الشكل، ما فتح الباب أمام مسار قضائي قد يربك الجدول الزمني للدراسات. وتعتزم الفدرالية التقدم بطلب لاتخاذ تدابير تحفظية ترمي إلى تعليق تنفيذ العقد محل النزاع، إلى جانب المطالبة بإلغاء المسطرة الحالية وإطلاق طلب عروض عمومي يسمح لمكاتب الهندسة الخاصة بالمنافسة على أساس معايير تقنية ومالية واضحة.

وتبلغ قيمة الصفقة المتنازع بشأنها نحو 962 ألف يورو، أي ما يعادل حوالي 10,4 ملايين درهم، وتتعلق بمهمة للمساعدة التقنية تروم تحيين الدراسة الأولية للنفق، وتشمل بالخصوص الأشغال المرتبطة بنفق الاستكشاف وتكييف المعطيات التقنية لإعداد نسخة جديدة من المشروع المرجعي. وهي مهام تندرج في امتداد خدمات سبق أن أُسندت إلى الشركة نفسها سنة 2021، ويتم تمويلها هذه المرة من آلية «الجيل القادم للاتحاد الأوروبي» المخصصة لدعم التعافي الاقتصادي، وهو ما تعتبره الشركات الخاصة عاملاً إضافياً يفرض احترام مساطر تنافسية صارمة في تدبير المال العام الأوروبي.

ويأتي هذا السجال القضائي في سياق يتسم بحذر مالي متزايد، إذ أقدمت السلطات الإسبانية في الآونة الأخيرة على تقليص الاعتمادات المرصودة لدراسات الجدوى المرتبطة بالمشروع، في مؤشر على حساسية التوازنات المالية المحيطة بورش يوصف بطويل النفس ومكلف من حيث الاستثمار.

ويُقدَّر الغلاف المالي الإجمالي لنفق جبل طارق بنحو 8,5 مليارات يورو، أي ما يقارب 92 مليار درهم، ويُسوَّق باعتباره بنية تحتية استراتيجية قادرة على إحداث تحول نوعي في الربط بين أوروبا وشمال إفريقيا. فالمشروع لا يقتصر على كونه إنجازاً هندسياً غير مسبوق، بل يُنظر إليه كرافعة لإعادة تشكيل تدفقات الأشخاص والبضائع، وإدماج الضفة الجنوبية للمتوسط في الشبكات الكبرى للنقل العابرة للقارات، غير أن الطريق نحو هذا الهدف يبدو، في الوقت الراهن، محفوفاً بتعقيدات قانونية ومالية قد تؤجل حلم الربط السككي الدائم بين المغرب وإسبانيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى