احتفالات رأس السنة.. بين الانفتاح الاجتماعي والتمسك بالقيم الدينية

أميمة حدري: صحافية متدربة
مع اقتراب نهاية كل سنة ميلادية، يشهد المغرب نقاشا متجددا حول الاحتفال برأس السنة، حيث تتباين مواقف المجتمع، بين من يرى في هذه المناسبة طقسا اجتماعيا احتفاليا، وبين من يرفضها باعتبارها تقليدا غير متوافق مع القيم الدينية.
وفي شوارع المدن الكبرى والأسواق، تحرص العديد من الأسر على شراء “حلوى البوناني”، وتزيين واجهات المحلات. وفي المقابل، تظهر فئات من المغاربة ترى أن الاحتفال برأس السنة الميلادية، يمثل تقليدا للدول الغربية، وأن المشاركة فيه قد تبعد عن قيم الهوية الدينية الأصيلة. معتبرين أن أي طقس احتفالي غير مرتبط بالدين لا يمكن اعتباره جزءا من الثقافة الدينية للمجتمع.
المجتمع المغربي بين التقليد والحداثة
ويصنف المجتمع المغربي، وفق ما أفادت به الأخصائية النفسية بشرى المرابطي، بين المجتمعات التقليدية والحداثية، فهو مجتمع انتقالي يحتفظ بتاريخ طويل من التقاليد والأعراف المتجذرة والدين الإسلامي، لكنه في الوقت نفسه شهد تحولات اجتماعية مهمة خلال العقود الأخيرة.
وفي تصريح لها لـ “إعلام تيفي“، ذكرت المرابطي أن “مرحلة الثمانينات شكلت منعطفا بارزا، إذ شهد المجتمع حينها انفتاحا على الحركات الإسلامية القادمة من الشرق، ما أسهم في رفع مستوى التدين وانعكس بشكل واضح على السلوكيات والممارسات الاجتماعية، وهو ما يجعل فهم المجتمع المغربي معقدا ومتعدد الأبعاد”.
أوضحت الباحثة في علم النفس الاجتماعي أن “هناك اتجاها لا يزال متمسكا بفكرة أن الاحتفال برأس السنة الميلادية ليس جزءا من التقاليد المغربية ولا من الدين الإسلامي، ويعد بالنسبة لهم بدعة”. مضيفة أن “هذا الاتجاه يعتمد على مرجعية دينية ويعطي أهمية كبيرة للبعد الديني في تقييم مظاهر الاحتفال”، معتبرا أن “الهدف الأساسي من الاحتفال برأس السنة، هو الاعتماد على هذا التاريخ في التأريخ اليومي، إلا أن هذا لا يمنع اعترافهم بأن المناسبة تضيف لمسة من البهجة إلى حياة الإنسان”.
وأشارت المتحدثة نفسها، إلى أن هذا التوجه “لا يعني رفض كل ما يأتي من الحضارة الغربية، فالمغاربة يحتفلون بالمناسبات الدينية المتعارف عليها، مثل المولد النبوي الشريف، وعيد الفطر، وعيد الأضحى، والسنة الهجرية، والسنة الميلادية أيضا”.
الاحتفال برأس السنة بين البهجة والانتماء الديني
وعن الانفتاح الاجتماعي وتأثيره على الهوية والانتماء الاجتماعي والديني، شددت المرابطي على أنه يجب قراءته في إطار علم النفس الاجتماعي كـ “استجابة للتغيرات العالمية، تندمج فيها الثقافة المغربية بشكل كامل دون أن تهدد جوهر الدين أو الهوية الثقافية”.
وأكدت في معرض حديثها أن “الاحتفال برأس السنة ليس تعبيرا عن الانبهار بالثقافة الغربية، ولا يمثل خروجا عن الدين الإسلامي أو الدخول في ديانة أخرى، بل هو مجرد مناسبة تضيف الفرح والبهجة إلى حياة المغاربة، وهو مؤشر إيجابي على التوازن النفسي العام للمجتمع”.
وختمت الأخصائية تصريحها لـ “إعلام تيفي” بالقول:”الاحتفال يمثل حالة صحية نفسيا واجتماعيا، فالمجتمع الذي يعيش الفرح والبهجة يعكس حالة توازن نفسي جيدة، بينما يظل المجتمع الذي يطغى عليه الحزن والإحباط مؤشرا سلبيا على الحالة النفسية لأفراده”. مؤكدة أن هذا الاحتفال “لا يمس بأي شكل من الأشكال جوهر علاقة الإنسان المغربي بدينه الإسلامي أو ارتباطه بهويته الثقافية”.





