اختلالات بنيوية تثقل النقل الطرقي للبضائع بالمغرب وتضع السائقين أمام واقع مهني هش

أميمة حدري: صحافية متدربة

سلط مصطفى القرقوري، الكاتب العام للنقابة الوطنية لقطاع النقل الطرقي للبضائع، الضوء على ما وصفه بـ “اختلالات هيكلية متراكمة” يعاني منها القطاع منذ سنوات، مؤكدا أن الأزمة الحالية ليست ظرفية، بل هي نتيجة مسار طويل من القرارات غير المصحوبة بإجراءات تنظيمية ورقابية فعالة.

العرض يفوق الطلب

وأوضح القرقوري، في تصريح لـ “إعلام تيفي“، أن تحرير قطاع النقل الطرقي للبضائع سنة 2003 شكل منعطفا حاسما، غير أن هذا التحرير، بحسب تعبيره، “لم تتم مواكبته بإصلاحات موازية تضمن التوازن بين العرض والطلب وتحمي الفاعلين المهنيين من الفوضى التي سرعان ما تسللت إلى القطاع”.

وأكد أن غياب المواكبة بعد التحرير أدى إلى إغراق السوق بأعداد كبيرة من الشاحنات، ما جعل العرض يفوق الطلب بشكل واضح، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار خدمات النقل، التي دخلت في دوامة من التراجع الحاد. مضيفا أن هذا الوضع “أفرز سلوكيات غير قانونية، حيث برزت مقاولات نقل باتت تستحوذ على رواج البضائع وتمارس الوساطة في النقل الطرقي لحساب الغير دون سند قانوني، في خرق صريح لمقتضيات قانون النقل، وهو ما زاد من تعميق الأزمة داخل القطاع”.

وأشار الكاتب العام للنقابة الوطنية لقطاع النقل الطرقي للبضائع إلى أن الوزارة الوصية لا تقوم، حسب قوله، “بدورها الرقابي على النحو المطلوب”، خصوصا في ما يتعلق بمراقبة هذه الوساطة غير القانونية، معتبرا أن “غياب التطبيق الصارم للقانون شجع على انتشار ممارسات أضرت بالسوق وبالفاعلين المهنيين الملتزمين بالقانون”. موضحا أن هذه “الاختلالات أدت إلى تفشي ظاهرة تكسير الأثمان، حيث أصبحت المقاولات مضطرة للعمل بهوامش ربح ضعيفة أو منعدمة، ما يدفع بعضها إلى اللجوء إلى وسائل غير مشروعة لتعويض الخسائر”.

وفي هذا السياق، أبرز القرقوري أن من بين أخطر النتائج المترتبة عن تكسير الأثمان، “لجوء بعض الناقلين إلى الزيادة في الحمولة بشكل غير قانوني، وهو ما يشكل خطرا على السلامة الطرقية ويثقل كاهل السائقين المهنيين”. متوقفا عند إشكالية ارتفاع أسعار المحروقات، مشيرا إلى أن “قطاع النقل الطرقي للبضائع يتأثر بشكل مباشر بكلفة الوقود، التي تشكل عنصرا أساسيا في تكلفة الإنتاج”.

وأوضح المتحدث ذاته، أنه رغم الانخفاض المسجل في الأسعار على المستوى الدولي، فإن أسعار المحروقات في المغرب ما تزال مرتفعة، مرجعا ذلك إلى “وجود شبهات احتكار في هذا القطاع”. مستحضرا في هذا الإطار، تقارير صادرة عن عدد من الهيئات الوطنية، وعلى رأسها مجلس المنافسة، التي أقرت بوجود شبهة احتكار، معتبرا أن “استمرار هذا الوضع يزيد من الضغط على المهنيين ويقوض قدرتهم على الصمود في سوق يعرف منافسة غير متكافئة”.

الحوار الاجتماعي ضرورة ملحة لإنقاذ القطاع

وفي ما يخص السائقين المهنيين، أكد القرقوري أنهم من أكثر الفئات تضررا من هذه الاختلالات، موضحا أن “أغلبية السائقين يشتغلون بنظام النسبة المئوية، ما يجعل أجورهم الشهرية مرتبطة بسعر الحمولة وحجم المداخيل المحققة”. معتبرا أن هذا النمط من التشغيل “يجعل السائقين في وضعية هشاشة دائمة”.

كما تطرق المتحدث إلى معاناة السائقين اليومية المرتبطة بظروف الاشتغال، مشيرا إلى “تزايد وضع علامات منع مرور أو وقوف الشاحنات داخل الأحياء السكنية، بما فيها الأحياء التي يقطن بها السائقون أنفسهم”. مبرزا أن هذا الوضع “يحرمهم من إمكانية ركن شاحناتهم بالقرب من أماكن سكنهم، ويجعل من الصعب عليهم الحصول على فترات راحة كافية داخل بيوتهم، في ظل غياب بدائل عملية”.

في السياق ذاته، أضاف الفاعل نفسه في  معرض حديثه، أن أزمة السائقين “تتفاقم أكثر بسبب ضعف الطاقة الاستيعابية لمحطات الاستراحة على الطرق السيارة، التي لا تستوعب الأعداد المتزايدة من الشاحنات”. مؤكدا أن هذا الخصاص “يضع السائق في وضعية حرجة، بين ضرورة احترام أوقات الراحة القانونية الإلزامية، التي يترتب عن خرقها عقوبات ثقيلة قد تصل إلى سحب رخصة السياقة، وبين الضغط المهني لإتمام الرحلات في آجال محددة”.

ولم يفت الكاتب العام للنقابة الوطنية لقطاع النقل الطرقي للبضائع التطرق إلى الإكراهات التي يعرفها العمل داخل الموانئ المغربية، وعلى رأسها ميناء الدار البيضاء، الذي يعاني، حسب قوله، من “اكتظاظ كبير وغياب محطات كافية لوقوف الشاحنات”. موضحا أن “عمليات الشحن والتفريغ والمراقبة عبر الماسح الضوئي تستغرق وقتا طويلا وغير معقول، ما يؤدي إلى ضياع ساعات طويلة من عمل السائقين دون أي مقابل، ويؤثر سلبا على مردوديتهم وعلى مداخيلهم اليومية والشهرية”.

وفي ختام تصريحه لـ “إعلام تيفي“، دعا مصطفى القرقوري إلى تدخل عاجل لإعادة الاعتبار لقطاع النقل الطرقي للبضائع وتحسين شروط اشتغال السائقين المهنيين. معتبرا أن من بين العوامل التي زادت من تعقيد الأزمة، “إقدام الوزارة الوصية، في عهد الوزير الحالي، على تعطيل الحوار الاجتماعي الذي كان يشكل فضاء أساسيا لتدارس الإشكالات المطروحة والبحث عن حلول توافقية”، مؤكدا أن إعادة فتح هذا الحوار باتت ضرورة ملحة لإنقاذ القطاع من وضع يزداد تأزما يوما بعد آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى