الإعلام المغربي في مفترق الطرق.. تقرير “الهاكا” يكشف رهانات التنظيم وتحديات العصر الرقمي

حسين العياشي
في سياق إعلامي يتسم بتسارع التحولات وتنامي الرهانات المرتبطة بالتأثير والموثوقية، كشفت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في تقريرها السنوي برسم سنة 2024 عن صورة بانورامية دقيقة لمشهد إعلامي مغربي يعاد تشكيله تحت ضغط الرقمنة وتغير أنماط الاستهلاك. التقرير، الذي صدر بأربع لغات هي العربية والفرنسية والأمازيغية والإنجليزية، لا يكتفي برصد حصيلة سنة من العمل التنظيمي، بل يضع ملامح مرحلة تتطلب توازناً دقيقاً بين حرية التعبير وجودة المضامين، في بيئة إعلامية تتبدل قواعدها بوتيرة غير مسبوقة.
منذ الصفحات الأولى، يبرز التقرير مركزية دور التنظيم المتوازن في ضمان تعددية الأصوات وتكافؤ فرص الولوج إلى الفضاء السمعي البصري، باعتباره شرطاً أساسياً لصون الحق في الإعلام وترسيخ نقاش عمومي تعددي. وفي هذا الإطار، يسجل تقدماً ملموساً على مستوى ترسيخ التعددية في التعبير، مدعوماً بآليات تتبع منتظمة لزمن المداخلات داخل البرامج الإخبارية، بما يعكس حرصاً مؤسساتياً على تمكين المواطنين من الاطلاع على مختلف التيارات والآراء الفكرية والسياسية، وتحصين الفضاء الإعلامي من اختلالات التمثيل والتوازن.
وفي موازاة ذلك، يقف التقرير عند الجهود المبذولة لتعزيز الانتشار الترابي للخدمات السمعية البصرية، من خلال توسيع تغطية البث عبر موجات “إف إم” والبث التلفزي الرقمي الأرضي في عدد من المناطق، وهي خطوة تسعى إلى تقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى المعلومة وضمان حد أدنى من العدالة الإعلامية بين المركز والأطراف. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن الحق في الإعلام لا ينفصل عن البنية التحتية والقدرة التقنية على إيصال المحتوى إلى مختلف الفئات والمجالات الجغرافية.
غير أن التقرير لا يكتفي بتسجيل المكتسبات، بل يسلط الضوء أيضاً على تعقيدات المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها التحولات الرقمية العميقة التي أعادت رسم حدود الفعل الإعلامي وأربكت أنماط التنظيم التقليدية. فالتدفق المتسارع للمضامين خارج القنوات الكلاسيكية، وانتقال جزء مهم من النقاش العمومي إلى المنصات الرقمية، يفرضان مراجعة شاملة لمنظومة الضبط، سواء على المستوى القانوني أو العملياتي. وفي هذا السياق، تدعو الهيئة إلى إعادة بناء مقاربة تنظيمية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع البيئة الرقمية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على بعدها الأخلاقي والتقني كضامن لمهنية المحتوى ومصداقيته.
كما يتوقف التقرير عند التحولات التي يعرفها سوق الإشهار الوطني، باعتباره أحد الأعمدة الاقتصادية الحاسمة في استمرارية المؤسسات الإعلامية. فبينما يتزايد وزن الإعلان داخل المنظومة، تظهر في المقابل هشاشات بنيوية مرتبطة بنماذج التمويل التقليدية، ما يستدعي التفكير في صيغ اقتصادية أكثر ابتكاراً واستدامة تضمن استقلالية وسائل الإعلام وقدرتها على المنافسة في سوق متغير.
هكذا يرسم التقرير ملامح مرحلة انتقالية دقيقة، حيث يتقاطع التنظيم مع التكنولوجيا، والاقتصاد مع أخلاقيات المهنة، والتعددية مع تحديات السوق. وهي مرحلة تجعل من مستقبل الإعلام السمعي البصري رهيناً بقدرة الفاعلين المؤسساتيين والمهنيين على ابتكار توازن جديد، يحمي الحق في التعبير، ويصون جودة المضامين، ويواكب التحولات الرقمية دون التفريط في وظائف الإعلام الأساسية كمرفق عمومي وخدمة ديمقراطية.





