التحقيق في تزوير رخص البناء بالمغرب.. دعم السكن يتحوّل إلى باب للتلاعب والفساد

حسين العياشي
باشرت المفتشية العامة للإدارة الترابية، بتنسيق مع نظيرتها التابعة لوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، تحقيقات موسعة في شبهات تلاعب واحتيال تطال ملفات الحصول على رخص البناء، وذلك في ظل تزايد المؤشرات على تفشي ظاهرة الاحتيال في الاستفادة من برنامج الدعم المباشر للسكن، الذي انطلق مطلع سنة 2023 ويمنح مساعدات مالية تصل إلى 100 ألف درهم لفائدة المشترين لأول مرة.
ورغم الإصلاحات القانونية والإجرائية التي أُدخلت في السنوات الأخيرة للحد من هذه الممارسات، إلا أن مجموعة من المنعشين العقاريين والأشخاص الذاتيين لا يزالون يتحايلون على القوانين العمرانية، مستغلين ثغرات في النظام، أو تواطؤ بعض الموظفين المنتخبين، للحصول على رخص بناء وسكن بأثر رجعي، مما يفتح لهم باب الاستفادة من الدعم العمومي بشكل غير مشروع.
وتشمل أشكال الاحتيال الأكثر انتشاراً، تقديم بنايات قائمة على أنها أراضٍ غير مبنية للحصول على رخصة بناء جديدة، أو القيام بعملية “هدم صوري” لبناية ثم تقديم طلب رخصة جديدة للبناء فوقها، أو تسريع مسطرة الحصول على رخصة السكن بعد رخصة البناء في آجال غير منطقية، وكلها تهدف إلى الوفاء بشرط التوفر على رخصة سكن صادرة سنة 2025، كشرط أساسي للحصول على الدعم.
في إقليم سيدي قاسم مثلاً، تم رصد حالات واضحة من الخروقات، من بينها ملف يتعلق بمنزل تم تشييده قبل مارس 2017، تم التقدم بطلب لتسويته بتاريخ يوليوز 2025، أي بعد شهرين من انتهاء الأجل القانوني المحدد في 11 ماي 2025، وتمت المصادقة عليه من طرف نائبة رئيس الجماعة المكلفة بالتعمير دون القيام بأي معاينة ميدانية أو تحقق من المعطيات.
أما في منطقة أخرى من الإقليم ذاته، فقد تم تسوية وضعية منزل شيّد سنة 2005، إذ تم إصدار رخصتي البناء والسكن في ظرف لا يتجاوز أسبوعين، وهي مهلة مستحيلة تقنياً لاستكمال بناء منزل من طابقين.
الوضع أكثر تأزماً في جهة الدار البيضاء-سطات، حيث كشفت تقارير عن قيام مراكز “الشباك الوحيد” بمنح رخص بناء لعقارات شُيدت فعلياً بعد سنة 2023، فقط لتمكين أصحابها من الاستفادة من دعم السكن. ووفقاً لتحقيق داخلي أجرته الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في يونيو 2025، فإن موظفين بعدد من الجماعات، من بينها جماعة الرباط، متورطون في المصادقة على ملفات غير قانونية دون معاينة ميدانية، في خرق واضح للنصوص التنظيمية المعمول بها.
إن هذه المعطيات، تفيد وجود خروقات واضحة لمقتضيات القانون رقم 12.66 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في ميدان التعمير والبناء، وكذا القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، إلى جانب خرق المراسيم التنظيمية التي تحدد الإجراءات الخاصة بتسوية وضعية البناء غير القانوني.
وقد سبق وأن صدرت تقارير بهذا الشأن سنة 2024، مسلطة الضوء على شبكات “السمسرة” داخل الجماعات الترابية، تضم موظفين جماعيين، ومنتخبين، ومنعشين عقاريين، يقومون بترتيب عمليات الاحتيال مقابل مكاسب شخصية، في ظل غياب رادع قانوني فعّال أو محاسبة جدية.
ويثير هذا الوضع تساؤلات حقيقية حول مصداقية برامج الدعم العمومي في مجال السكن، وفعالية آليات المراقبة والزجر، في وقت يراهن فيه المغرب على تحقيق العدالة الاجتماعية وتوسيع قاعدة الولوج إلى السكن اللائق للفئات متوسطة ومحدودة الدخل.





